كتب : : د. سيما حقيقي
هناك أشياء في حياتنا لا نراها كما هي تمامًا،
بل كما نستطيع أن نحتملها.
تمرّ أمامنا الوقائع، لكنها لا تستقرّ في داخلنا كما حدثت،
بل كما قرأناها، كما فهمناها في تلك اللحظة، وكما سمح لنا شعورنا أن نراها.
ونظنّ أننا نعيش الحقيقة، بينما نعيش—في العمق— الطريقة التي اخترنا أن نفهم بها ما يحدث.
فتتشكّل رؤيتنا بهدوء، من تجارب سابقة، ومن خوفٍ لم يُعلن عن نفسه، ومن رغبةٍ خفيّة في أن تبقى الأشياء قابلة للاستمرار.
وهكذا…
لا يكون ما نراه دائمًا انعكاسًا لما هو موجود، بل انعكاسًا لما يمكن أن نعيشه دون أن ننكسر.
الحقيقة لا تدخل إلى داخلنا دفعةً واحدة، ولا تستقرّ في وعينا بشكلها الكامل.
تمرّ أولًا عبر إحساسنا، ثم تتلوّن بما نحمله من تجارب،
وتأخذ شكلًا أقرب إلى ما اعتدناه، وليس إلى ما حدث فعليًا.
ففي لحظة واحدة، قد يرى شخصان الحدث نفسه، لكن كلًّا منهما يعود بصورة مختلفة تمامًا.
الحقيقة تبقى كما هي، لكن ما وصل إلى الداخل كان نسخةً مرّت عبر طبقة من الفهم… ثم استقرّت.
فنحن نختار—بهدوء— زاوية نرى منها ما يحدث، زاوية تجعل المعنى أقرب، وأقلّ قسوة، وأكثر انسجامًا مع ما نحتاجه في تلك اللحظة.
ولهذا…
لا تكون المسألة في دقّة ما نراه،
ولكنه في قدرتنا على العيش به.
فما يصل إلينا من الحقيقة ليس كلّها…
وإنما الجزء الذي وجد طريقه إلى داخلنا.
الحقيقة لا تستقرّ كما هي تمامًا، بل تمرّ عبر ما نحمله فينا، فتستقرّ مائلةً قليلًا نحو ما نألفه.
هناك شيء خفي، لا يظهر في الواجهة، لكنه يميل بالصورة نحو زاويةٍ بعينها. لا يغيّر ما حدث، لكنه يقرّبه قليلًا، ويخفّف من حدّته، ويتركنا أمام معنى يمكننا أن نعيش معه.
في لحظاتٍ كثيرة، نعرف أكثر مما نقول، ونشعر بما لا نعرف كيف نسمّيه، لكننا نمنح ما يحدث تفسيرًا يجعلنا قادرين على الاستمرار.
فتتشكل هذه الزاوية بهدوء، من طبقاتٍ تراكمت بصمت، ومن أثرٍ لم يُغلق، ومن تجربةٍ سابقة، ومن رغبةٍ خفيّة في أن تبقى الأشياء قابلة للحياة داخلنا.
وهكذا…
لا يكون ما نراه منفصلًا عمّا نحن عليه،
لكنه يظهر كامتداد له.
فنحن نرى ما يحدث، لكننا نراه من داخلنا، من المكان الذي نقف فيه الآن، بكل ما تغيّر فينا، وكل ما لم يتغيّر بعد.
ولهذا… يتبدّل المعنى كلما تبدّلنا، وتتغيّر الرؤية حين نعود إلى الشيء نفسه بعينٍ أخرى.
وفي هذا الامتداد…
لا يكون ما نراه مجرّد انعكاسٍ لما حدث،ً بل جزءًا من طريقة بقائنا متماسكين.
هناك داخل الإنسان ميلٌ هادئ لإبقاء المعنى في حدودٍ يمكن العيش بها، فالحقيقة لا تتغيّر، لكن ثقلها أحيانًا يحتاج أن يُوزّع.
فنرى ما نستطيع حمله، ونترك ما يتجاوز قدرتنا على الفهم في تلك اللحظة،
ليس إنكارًا، لكنه نوعٌ من التأجيل الصامت.
تأجيل يمنح الداخل وقتًا ليعيد ترتيب نفسه، ويقترب تدريجيًا من صورةٍ أوسع.
وهكذا… لا يكون ما نراه ناقصًا، بل مؤجّل الاكتمال.
جزءٌ حاضر، وجزءٌ ينتظر لحظةً أخرى ليظهر بوضوحٍ أكبر.
وفي هذا الانتظار،
نستمرّ،
نعيش،
ونبقى قادرين على المضي.
لا تبقى الرؤية مجرّد محاولة للفهم، بل تتحوّل—بهدوء—
إلى طريقةٍ نمنح بها الأشياء معنى.
قد لا يكون كل ما نراه واضحًا، ولا كل ما يحدث يُفهم في لحظته، لكن الإنسان يميل، بطبيعته، إلى أن يترك في الصورة مساحةً مضيئة.
مساحة تسمح له أن يمضي، أن يواصل، وأن يرى في ما أمامه ما يكفي ليكمل الطريق.
تلك المساحة لا تُفرض عليه، ولا تأتي من الخارج، بل تتشكّل في داخله، كامتدادٍ لرغبته في أن تبقى الحياة ممكنة.
ولهذا…
فإن الرؤية لا تكون دائمًا بحثًا عن الدقّة، بل هي اقتراب من معنى يمكن أن يُعاش.
معنى يحمل قدرًا من الوضوح، وقدرًا آخر من الاحتمال، ويترك للإنسان مساحة يتحرّك فيها دون أن يثقل عليه كل شيء دفعةً واحدة.
وفي هذه المساحة، يجد الإنسان ما يكفيه ليستمرّ… دون أن يحتاج إلى إجابة كاملة.
وهنا .. لا تكون المسألة في أن نرى كل شيء بوضوحٍ كامل، بل في أن نرى ما يكفي لنمضي.
فالحقيقة، حين تصل إلينا، لا تأتي بصورتها الأولى، بل بالشكل الذي وجد طريقه إلى داخلنا.
شكل يحمل من الدقّة ما نحتاجه، ومن اللين ما يسمح لنا أن نعيش به، ومن الاتساع ما يترك لنا مساحة لنفهم أكثر… مع الوقت.
وفي هذا الامتداد،
فإن ما نراه ليس أقلّ صدقًا ووضوحاً لكنه يظهر بصيغة أقرب إلينا.
أقرب إلى ما نستطيع أن نحتمله، وما يمكن أن نحمله معنا دون أن ننكسر.
وربما…
ما نراه ليس الحقيقة كما هي، بل الشكل الذي يسمح لها أن تبقى معنا.. كما نحتملها.
عدد المشاهدات: 0


