كتب : دينا كمال
“القلعة الطائرة”.. مشروع صيني لبناء أكبر منصة عسكرية محلقة في التاريخ
لم يعد مفهوم القوة الجوية يقتصر على الطائرات المقاتلة أو أنظمة الدفاع الجوي التقليدية، إذ يبرز تصميم ضخم أقرب إلى منصة طائرة منه إلى طائرة تقليدية، ليعيد طرح تساؤلات جديدة حول مستقبل القدرات الجوية لدى الصين. ويحمل هذا المفهوم اسم “لوآنياو” (Luanniao)، ويُطرح بوصفه حاملة طائرات محلقة قادرة على التحليق في طبقات عالية من الغلاف الجوي، خارج نطاق معظم أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ الاعتراضية.
وتبدو الفكرة للوهلة الأولى أقرب إلى تصور استراتيجي طويل المدى منها إلى مشروع طيران تقليدي، إلا أنها تندرج ضمن مشروع أوسع يعرف باسم “ننتيانمن” (Nantianmen)، المرتبط بشركة AVIC المتخصصة في صناعة الطيران. ويهدف هذا المشروع إلى تطوير أنظمة عسكرية مستقبلية تتجاوز حدود التقنيات الحالية، مع اعتماد مبدأ الارتفاع العالي كوسيلة دفاع رئيسية، بحيث تصبح المنصة بعيدة عن متناول معظم وسائل الاعتراض.
ولا يقتصر الاهتمام بالمشروع على الصور أو التصورات، بل يمتد إلى الأرقام المعلنة التي بدت أقرب إلى تصميمات السفن العملاقة منها إلى الطائرات. إذ يتحدث المفهوم عن منصة يبلغ طولها نحو 242 متراً وعرضها 684 متراً، مع وزن إقلاع أقصى يصل إلى 120 ألف طن، وهو ما دفع وسائل إعلام عدة إلى وصفها بـ”حاملة طائرات طائرة”.
ووفق تقارير إعلامية، يستهدف التصميم التحليق فوق نطاق الدفاعات الجوية التقليدية ليعمل كقاعدة جوية عائمة في طبقات الجو العليا. ويُطرح المشروع حتى الآن باعتباره رؤية مستقبلية بعيدة المدى أكثر من كونه برنامجاً جاهزاً للتنفيذ، ما يجعله أيضاً رسالة استراتيجية تعكس طموحات عسكرية وتقنية.
ويأخذ المشروع بعداً جيوسياسياً واضحاً، إذ تربط بعض التحليلات بينه وبين مناطق توتر مثل تايوان وبحر الصين الجنوبي، حيث قد يمنح وجود منصة جوية ثابتة في السماء شكلاً جديداً من الضغط العسكري والسياسي.
طائرات مسيرة شبحية
ومن أبرز القدرات التي يُفترض أن تحملها المنصة، نشر نحو 88 طائرة مسيرة قتالية تُعرف باسم “Xuan Nu”، توصف بأنها طائرات شبحية قادرة على حمل صواريخ فرط صوتية. وبذلك تتحول المنصة من مجرد طائرة عملاقة إلى مركز إطلاق جوي لأسراب من المسيرات القتالية، بحيث تقوم المنصة بدور القاعدة الثابتة بينما تتولى المسيرات تنفيذ المهام الهجومية والمناورة.
ويشير خبراء إلى أن نجاح هذا المفهوم قد يسمح له بالعمل خارج نطاق معظم أنظمة الدفاع الجوي الحالية، نظراً لقدرته المفترضة على التحليق في ارتفاعات تتجاوز طبقات الطقس ومعظم منظومات الاعتراض. غير أن تحقيق ذلك يظل مشروطاً بإمكانية إبقاء المنصة في الجو لفترات طويلة.
تحديات هندسية
ومع اتضاح حجم المنصة ووزنها الضخم، يبرز التساؤل الأهم حول كيفية قدرتها على الطيران. فقدّر تحليل متخصص أن كتلة بهذا الحجم ستحتاج إلى قوة دفع هائلة تقارب 340 ميغانيوتن بشكل مستمر للحفاظ على التحليق.
وللمقارنة، يولد محرك المقاتلة Lockheed Martin F-35 Lightning II قوة دفع تبلغ نحو 191 كيلو نيوتن، ما يعني أن المفهوم النظري قد يحتاج إلى أكثر من 1700 محرك من الفئة نفسها للحفاظ على بقائه في الجو.
كما يظهر الفارق الهائل عند مقارنته بأكبر طائرة نقل في العالم، وهي Antonov An-225 Mriya، التي يبلغ وزنها نحو 640 طناً فقط، ما يبرز حجم التحدي الهندسي الذي قد يواجه تنفيذ المشروع.
وفي موازاة الجانب العسكري، يجري تطوير بُعد جماهيري للمشروع ضمن خطة لإنشاء مجمع ترفيهي في مدينة شنغهاي، بمساحة تقارب 40 ألف متر مربع، يستند إلى عالم “ننتيانمن” الذي أطلق عام 2017، على أن يُفتتح للجمهور في عام 2027.
ورغم الطموح الكبير للمفهوم، يرى بعض المحللين أن المشروع يمثل مبادرة جريئة من الناحية النظرية، إلا أن كثيراً من تفاصيله ما زالت في إطار التصورات المستقبلية، دون مؤشرات واضحة حتى الآن على بدء تصنيع فعلي.


