كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
مع انطلاق النصف الثاني من شهر رمضان هذا العام، بدأ عرض مسلسل «حكاية نرجس» بطولة ريهام عبد الغفور، وهو عمل يستند إلى واحدة من أكثر الجرائم الاجتماعية غرابة وقسوة في مصر، المرتبطة بالمرأة التي عُرفت بلقب صادم “عزيزة بنت إبليس”.
المسلسل مستوحى من وقائع حقيقية تحولت فيها المعاناة تدريجيًا إلى شر، متسببة في تشريد عدد كبير من العائلات. ويشارك في بطولته حمزة العيلي وسماح أنور، من تأليف عمار صبري وإخراج سامح علاء.
مع انتشار فكرة أن المسلسل مستوحى من أحداث حقيقية، بدأ الجدل يتكرر حول قضية استعراض حياة المجرمين: لماذا إعادة سرد هذه القصص؟ وما الفائدة منها؟ الواقع أن الفن لا يقدم تبريرًا للأفعال، بل يحاول فهم دوافع الإنسان قبل الحكم عليه. الفن يعرض الواقع بأسلوب درامي مشوق، ويُميّز بين التعاطف مع الظروف التي شكلت شخصية المجرم والوعي بضرر أفعاله على الآخرين.
مع تقدم حلقات المسلسل، يكتشف المشاهد التعقيدات النفسية لشخصية نرجس؛ إذ تبدأ التعاطف معها تدريجيًا ليس لمبررات أفعالها، بل لفهم الظروف التي دفعتها إليها. يظهر تأثير الأم المتسلطة والقاسية، التي تجسدها سماح أنور، على نمو شخصية نرجس، فيما تبقى الأخت الكبرى ضعيفة ومهزوزة، بينما تتشكل لدى نرجس شخصية أكثر صلابة وميلًا للمكر، ساعية للهروب بأي وسيلة من البيت المشحون بالتوتر.
منذ طفولتها، تعرضت نرجس للسخرية والنقد المستمر، ما ولد لديها حاجة قوية لإثبات الذات وخوفًا عميقًا من الفشل، إلى جانب رغبة في السيطرة على الظروف. مع الوقت، تحول هذا إلى ما يمكن وصفه بـ “الذكاء الدفاعي”، حيث تخطط نرجس لكل خطوة بدقة، مستخدمة وسائل ذكية مثل إظهار الضعف أو بناء صورة اجتماعية مثالية تحميها عند الحاجة.
تواجه نرجس ضغوطًا اجتماعية قاسية، بدءًا من الطلاق من زيجتها الأولى بسبب عدم الإنجاب، وهو حكم اجتماعي ظالم غالبًا ما يقع على المرأة، إلى الزواج الثاني من عوني الذي يجسده حمزة العيلي، محاولًا ضبط العلاقة لمصلحته الخاصة، لكنها تستغل ضعف زوجها وقرار المجتمع للسيطرة عليه، بما في ذلك خطتها بخطف الطفل، لتدخل بعدها سلسلة من الأكاذيب التي تعقد حياتها.
أحد المشاهد البارزة في الحلقات الأخيرة يظهر نرجس وهي تتخلى عن والدة عوني لتتركها تموت، بينما تُظهر الكاميرا تفاصيل دقيقة تعكس الانقسام الداخلي والصراع النفسي الذي تعيشه؛ فهي مضطرة لحماية سرها مهما كلف الأمر، وهذا السر يتحول إلى مصدر خراب لكل من يقترب منه.
أما عوني، فيجسد حمزة العيلي شخصية الرجل الحنون الضحية، الذي يتورط تدريجيًا مع زوجته ويظهر ضعفه نتيجة التأثير العائلي، فيما تؤدي سماح أنور وعارفة عبد الرسول دور الأم المتسلطة لكل منهما، كل واحدة بطريقة مختلفة، لتشكل شبكة من الشخصيات المتأثرة بالسلطة الأسرية.
المسلسل لا يبرر الجريمة ولا يلمع صورة المجرم، لكنه يظهر أن الإنسان العادي يمكن أن يتحول إلى مجرم، بحسب الظروف والضغوط. يعرض العمل هشاشة البشر، وقدرتهم المختلفة على التعامل مع الأزمات، دون دعوة للاقتداء بأفعال المجرم، بل لفهم السياق الذي صاغه.
في جوهره، مسلسل «حكاية نرجس» يقدم تحذيرًا أكثر من كونه دعوة للتعاطف، ويبرز أن الفارق بين الإنسان العادي و”عزيزة بنت إبليس” يبدأ بخطأ صغير يُطلق الشر الكامن داخله. الدراما هنا لا تقدم إجابات نهائية، بل تطرح أسئلة تُرك للمشاهد ليختار كيف يريد أن يكون الإنسان الذي يكون عليه.


