كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
صعّدت باكستان لهجتها تجاه كل من طالبان والهند، متهمةً الجانبين بالوقوف وراء الهجمات التي تستهدف أراضيها خلال الفترة الأخيرة، في تطور جديد ينذر باتساع رقعة التوتر في المنطقة الحدودية الملتهبة بين إسلام آباد وكابول.
وأكدت وزارة الخارجية الباكستانية في بيان رسمي أن الهجمات التي تشهدها البلاد انطلاقًا من الجانب الأفغاني «لا يمكن اعتبارها أعمالًا فردية أو معزولة»، مشددة على أنها تتم بدعم ومساندة فعالة من نظام طالبان، إلى جانب ما وصفته بتورط أطراف هندية في تأجيج الوضع الأمني. وأوضحت أن هذه التحركات تمثل تهديدًا مباشرًا لسيادة الدولة وأمن مواطنيها، وتحمل أبعادًا إقليمية تتجاوز الإطار الحدودي التقليدي.
ويأتي هذا الاتهام في ظل تصاعد غير مسبوق في وتيرة المواجهات عبر الحدود، حيث شهدت الأيام الماضية تبادلًا لإطلاق النار وعمليات قصف متقطعة في مناطق متفرقة، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى من الجانبين، إضافة إلى نزوح عدد من المدنيين من القرى القريبة من خطوط التماس. وأشارت السلطات الباكستانية إلى أن الجماعات المسلحة التي تنفذ الهجمات تجد «ملاذات آمنة» داخل الأراضي الأفغانية، وتتحرك بحرية في ظل ما اعتبرته «تغاضيًا أو دعمًا مباشرًا» من سلطات الأمر الواقع في كابول.
البيان الباكستاني لم يقتصر على تحميل طالبان المسؤولية، بل وسّع دائرة الاتهام لتشمل الهند، معتبرًا أن هناك تنسيقًا أو دعمًا غير مباشر يهدف إلى زعزعة الاستقرار الداخلي في باكستان. ولم يقدم البيان تفاصيل دقيقة حول طبيعة هذا الدعم المزعوم، إلا أنه شدد على أن إسلام آباد تمتلك معطيات تؤكد وجود أدوار خارجية في تغذية الهجمات.
في المقابل، تنفي طالبان هذه الاتهامات، وتقول إن الأراضي الأفغانية لن تُستخدم للإضرار بأي دولة أخرى، معتبرة أن التصعيد العسكري الأخير جاء ردًا على ضربات باكستانية داخل مناطق حدودية. ويعكس هذا التراشق في التصريحات عمق الأزمة بين الجانبين، والتي تعود جذورها إلى سنوات من التوتر بشأن ملف الجماعات المسلحة وخطوط الحدود غير المحسومة بالكامل.
ويرى مراقبون أن الاتهامات المتبادلة تعكس هشاشة الوضع الأمني في المنطقة، خاصة في ظل تعقيدات المشهد السياسي والأمني في أفغانستان، وتداخل المصالح الإقليمية. كما أن إدخال اسم الهند في المعادلة يزيد من حساسية الموقف، نظرًا للعلاقات المتوترة أصلًا بين نيودلهي وإسلام آباد، وما تحمله من إرث طويل من الصراعات والمواجهات الدبلوماسية والعسكرية.
السلطات الباكستانية شددت على أنها تحتفظ بحقها الكامل في الرد على أي اعتداء، مؤكدة أن أمنها القومي «خط أحمر» لن تسمح بتجاوزه. كما دعت المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته في منع تحول الأراضي الأفغانية إلى منصة لانطلاق الهجمات، مطالبةً بآليات واضحة لضبط الحدود وملاحقة العناصر المتورطة.
التصعيد الأخير يضع المنطقة أمام سيناريوهات متعددة، تتراوح بين احتواء التوتر عبر قنوات دبلوماسية، أو الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد تؤثر على الاستقرار الإقليمي. وتأتي هذه التطورات في وقت تعاني فيه المنطقة من أزمات اقتصادية وأمنية متراكمة، ما يجعل أي تصعيد إضافي عاملًا ضاغطًا على الحكومات والشعوب على حد سواء.
ويرى محللون أن استمرار تبادل الاتهامات دون وجود آلية مشتركة للتحقيق والتنسيق الأمني سيؤدي إلى تعميق الفجوة بين إسلام آباد وكابول، وربما يدفع أطرافًا أخرى إلى التدخل بشكل مباشر أو غير مباشر. كما أن توسيع نطاق الاتهام ليشمل الهند قد يفتح بابًا جديدًا من التوتر الثلاثي في منطقة شديدة الحساسية استراتيجيًا.
في ظل هذا المشهد المعقد، تبقى الأنظار متجهة إلى الخطوات المقبلة التي قد تتخذها باكستان، سواء على الصعيد العسكري أو الدبلوماسي، وإلى مدى استعداد الأطراف الأخرى لاحتواء الأزمة قبل أن تتحول إلى مواجهة مفتوحة يصعب احتواؤها.


