كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
تواجه إدارة متحف اللوفر في العاصمة الفرنسية باريس تحديات متصاعدة قد تؤثر على مستقبل هذا الصرح العالمي العريق، حيث تتداخل الإضرابات العمالية، الأعطال التقنية، وقضايا احتيال مالي في تكوين صورة من القلق بشأن قدرة إدارة المتحف على الحفاظ على استقراره المؤسسي والمالي والثقافي.
وتأتي هذه التطورات في وقتٍ يشهد فيه المتحف – الذي يعد من أكثر المتاحف زيارة في العالم – توترات غير مسبوقة في بيئة العمل، بينما يحاول القائمون عليه التعامل مع ضغوط داخلية وخارجية في آن واحد.
الإضرابات العمالية وتأثيرها على التشغيل
يشهد اللوفر سلسلة من الإضرابات المتكررة بين الموظفين والعاملين، احتجاجًا على شروط العمل والأجور وظروف التشغيل داخل المؤسسة. وفي الأسبوع الماضي، أعلن عدد من النقابات العمالية عن إضراب جزئي شمل موظفي الاستقبال وحراس الأمن والعاملين في بعض الأقسام الفنية، ما تسبب في تأجيل جولات وزيارات مخطط لها، وأثار استياء الزوار والممولين الدوليين.
وقال ممثل نقابي إن العمال يشعرون بأن مطالبهم “لم تُستجب بالشكل الكافي” من قبل الإدارة، مشيرًا إلى أن الإضرابات تأتي بعد “سنوات من التراكمات وعدم التوصل إلى حل جذري بخصوص المزايا الوظيفية والتقاعد والتعويضات”. وأضاف أن استمرار الإضرابات قد يؤثر ليس فقط على تجربة الزائرين، بل على سمعة المتحف على مستوى العالم.
الأعطال التقنية وتحديات الصيانة
في الوقت الذي تسعى فيه إدارة المتحف لجذب ملايين الزوار سنويًا، تكبد اللوفر سلسلة من الأعطال التقنية في أنظمة الحجز الإلكتروني، والتحكم في الإضاءة، وحتى في شبكات العرض داخل صالات العرض الرئيسية. وأدى أحد الأعطال الأخيرة إلى توقف أنظمة التذاكر الإلكترونية لساعات، ما اضطر الزوار للانتظار في طوابير طويلة وإعادة جدولة دخولهم للمتحف.
وأكد متخصصون في التكنولوجيا الثقافية أن هذه الأعطال المتكررة “تكشف عن حاجة ملحة للاستثمار في البنية التحتية الرقمية للمتحف”، محذرين من أن استمرار الأعطال يمكن أن “يُضعف الثقة لدى الزوار والداعمين الماليين على حدٍ سواء”.
قضايا احتيال مالي تضغط على الإدارة
في تطور آخر مثير للقلق، تواجه إدارة اللوفر تحقيقات بشأن اتهامات احتيال مالي تتعلق بعقود توريد وخدمات فنية، تم الكشف عنها مؤخرًا عبر تقارير رقابية داخلية. وتشير الوثائق الأولية إلى أن بعض عقود الصيانة والتجهيزات الفنية لم تكن تخضع لإجراءات شفافية كافية، ما أدى إلى تكبد المتحف خسائر مالية كبيرة.
وقال مصدر مطلع إن التحقيقات لا تزال جارية، وأن هناك احتمالًا لإطلاق إجراءات قانونية ضد بعض الموردين المتورطين، إضافة إلى مراجعة شاملة لآليات الشراء والتعاقد داخل إدارة المتحف. وقد تسبب هذا الملف في “توتر داخلي كبير” بين الإدارة وبعض الجهات الرقابية الفرنسية.
ردود فعل دولية ومحلية
لم تقتصر المخاوف على الداخل الفرنسي وحده، إذ أعرب العديد من المثقفين وعشاق الفنون حول العالم عن قلقهم من أن يؤدي تكرار هذه المشكلات إلى إضعاف مكانة اللوفر كمركز ثقافي عالمي. وكتبت بعض الصحف الدولية أن “التحديات المتراكمة قد تجعل من متحف اللوفر نموذجًا غير مستقر في إدارة المؤسسات الثقافية الكبرى”، بينما دعا آخرون إلى “تحرك عاجل لضمان استدامة هذا الصرح الفني الذي يمتد تاريخه لأربعة قرون”.
على الصعيد الرسمي، أكدت وزارة الثقافة الفرنسية دعمها لاستقرار المتحف، مشددة على أن “اللوفر جزء لا يتجزأ من التراث الفرنسي والعالمي”، وأن “الحكومة تتابع التطورات عن كثب وتعمل على دعم حلول تشاركية تُرضي العمال وتُعزز الكفاءة التشغيلية”.
هل يواجه اللوفر أزمة مستقبلية؟
بينما يرى البعض أن هذه المشاكل تمثل “عثرات مؤقتة قابلة للحل”، يحذر آخرون من أن تزايد الإضرابات، الأعطال، وقضايا الاحتيال إذا تُركت دون معالجة قد ترسم ملامح أزمة طويلة الأمد قد تؤثر على قدرة المتحف على استقبال الزوار، الحفاظ على مجموعاته القيمة، وتأمين الدعم الدولي المستدام.
في خضم هذه التحديات، تبدو إدارة المتحف أمام اختبار حقيقي في كيفية التوفيق بين الحفاظ على دوره التاريخي كأحد أعمدة الثقافة العالمية، وبين معالجة المشكلات التنظيمية التي تهدد استقراره في المستقبل.


