كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
أبلغ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعضاء الكونجرس بأنه يعمل على دفع مسار تفاوضي يهدف إلى إبرام اتفاق تعاون نووي مدني مع المملكة العربية السعودية، في خطوة تعيد هذا الملف الحساس إلى واجهة النقاش السياسي في واشنطن، وتثير في الوقت نفسه تساؤلات حول أبعاده الاستراتيجية وانعكاساته على التوازنات الدولية.
وبحسب ما أوردته وكالة رويترز، فإن التحرك الأمريكي يأتي في توقيت بالغ الحساسية، تزامنًا مع تصاعد المخاوف من انزلاق العالم إلى سباق تسلح نووي جديد، خاصة بعد انتهاء العمل بآخر معاهدة رئيسية للحد من الأسلحة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا في وقت سابق من الشهر الجاري، فضلًا عن تقارير تتحدث عن تسريع الصين وتيرة تطوير وتوسيع ترسانتها النووية. هذه المعطيات أعادت ملف الانتشار النووي إلى صدارة الاهتمام الدولي، ودفعت العديد من الأطراف السياسية والرقابية في واشنطن إلى المطالبة بتشديد الضمانات في أي اتفاق جديد.
ويستند المقترح المطروح إلى إطار التعاون النووي المدني، الذي يركز على دعم جهود السعودية في إنشاء أول محطة للطاقة النووية للأغراض السلمية، ضمن خططها لتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على النفط. وكانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة، سواء في عهد ترامب أو في عهد سلفه الديمقراطي Joe Biden، قد انخرطت في مناقشات مع الرياض حول آليات بناء برنامج نووي مدني يخضع للرقابة الدولية.
وتؤكد واشنطن، وفق ما نقلته رويترز، أن أي تعاون نووي مع السعودية يجب أن يتضمن ضمانات واضحة تحول دون تطوير قدرات يمكن توظيفها عسكريًا. وتتمثل أبرز هذه الضمانات في منع المملكة من امتلاك تقنيات تخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة الوقود النووي المستهلك، وهما مساران تقنيان يمكن، من الناحية النظرية، أن يُستخدما لإنتاج مواد تدخل في صناعة الأسلحة النووية. وقد تمسكت الإدارات الأمريكية المتعاقبة بهذا الشرط باعتباره حجر الزاوية في أي اتفاق نووي محتمل.
في المقابل، يضغط عدد من أعضاء الكونجرس، إلى جانب جماعات معنية بمراقبة التسلح، من أجل تضمين الاتفاق نصوصًا أكثر صرامة تتعلق بالشفافية والرقابة الدولية. ويرى هؤلاء أن منح السعودية برنامجًا نوويًا مدنيًا دون قيود محكمة قد يفتح الباب أمام سباق تسلح إقليمي، خاصة في ظل التوترات القائمة في الشرق الأوسط.
ومن بين الشروط المطروحة أيضًا، مطالبة السعودية بالانضمام إلى ما يُعرف بالبروتوكول الإضافي التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو إجراء يمنح الوكالة صلاحيات رقابية موسعة، تشمل إجراء عمليات تفتيش مفاجئة في مواقع غير معلنة، والاطلاع على معلومات تفصيلية حول الأنشطة النووية. ويُنظر إلى هذا البروتوكول باعتباره أداة أساسية لتعزيز الثقة وضمان الاستخدام السلمي للتكنولوجيا النووية.
ويأتي هذا التحرك في وقت تتداخل فيه الاعتبارات الاستراتيجية مع الحسابات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، إذ يخضع أي اتفاق نووي لمراجعة دقيقة من الكونجرس، الذي يمتلك سلطة الاعتراض أو فرض شروط إضافية. كما أن الملف يرتبط بعلاقات واشنطن الإقليمية، وبموقع السعودية في معادلة الأمن والطاقة في الشرق الأوسط.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن إدارة ترامب تسعى إلى إعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية، مع التركيز على تعزيز الشراكات الاستراتيجية، وفي مقدمتها العلاقة مع الرياض، لكن ضمن إطار يراعي التزامات الحد من الانتشار النووي. وبينما لم تتضح بعد التفاصيل الكاملة للاتفاق المقترح، فإن المؤكد أن أي خطوة في هذا الاتجاه ستخضع لنقاش واسع داخل المؤسسات الأمريكية، نظرًا لحساسية الملف وتشابكه مع التوازنات الدولية الراهنة.
وفي ظل تصاعد المخاوف من تراجع منظومة الحد من الأسلحة النووية عالميًا، يبقى المسار التفاوضي المرتقب اختبارًا جديدًا لقدرة واشنطن على تحقيق توازن بين دعم حلفائها في تطوير برامج طاقة مدنية، والحفاظ في الوقت ذاته على قواعد عدم الانتشار التي شكلت لعقود أحد أعمدة الأمن الدولي.


