كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
تراجعت عملة بيتكوين إلى مستوى 68 ألف دولار خلال تعاملات اليوم، مواصلة موجة من الضغوط البيعية التي تضرب سوق العملات الرقمية، في ظل استمرار القلق لدى المستثمرين بشأن توجهات السياسة النقدية في الولايات المتحدة واحتمالات الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول من المتوقع.
وجاء الانخفاض في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية حالة من الترقب الحذر قبيل صدور بيانات اقتصادية أمريكية جديدة، تعزز التوقعات بأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد يتجه إلى تثبيت أسعار الفائدة أو تأجيل أي خفض محتمل، وهو ما يؤثر سلبًا على الأصول عالية المخاطر، وفي مقدمتها العملات المشفرة.
وتراجعت بيتكوين خلال الجلسة إلى حدود 68 ألف دولار، بعدما كانت قد سجلت مستويات أعلى في الأيام الماضية، متأثرة بعمليات جني أرباح واسعة، إضافة إلى موجة بيع مدفوعة بارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية وصعود الدولار، وهو ما يقلل جاذبية الأصول الرقمية لدى المستثمرين الباحثين عن العوائد الآمنة.
ويرى محللون أن استمرار أسعار الفائدة الأمريكية عند مستويات مرتفعة يضغط على السيولة في الأسواق، ويحد من تدفقات رؤوس الأموال نحو الأصول المضاربية، حيث يفضل المستثمرون الاحتفاظ بأدوات مالية أقل مخاطرة تحقق عوائد مستقرة. كما أن قوة الدولار تجعل شراء بيتكوين أكثر تكلفة للمستثمرين من خارج الولايات المتحدة، ما ينعكس على حجم الطلب.
ولم تكن بيتكوين وحدها المتأثرة بهذه التطورات، إذ شهدت العملات الرقمية الأخرى تراجعات ملحوظة، وسط حالة من الحذر العام في سوق التشفير، الذي يتسم بطبيعته العالية التقلب. ويأتي ذلك في ظل تقلبات أوسع في أسواق الأسهم العالمية، خاصة أسهم شركات التكنولوجيا، التي غالبًا ما تتحرك بالتوازي مع أداء العملات المشفرة.
ورغم هذا التراجع، لا تزال بيتكوين تتحرك ضمن نطاق سعري مرتفع نسبيًا مقارنة بمستوياتها خلال العام الماضي، حيث استفادت في الأشهر الأخيرة من تدفقات استثمارية مؤسسية ومن الموافقة على عدد من الصناديق المتداولة المرتبطة بها في الأسواق الأمريكية، وهو ما عزز مكانتها كأصل استثماري رئيسي في سوق العملات الرقمية.
لكن المخاوف المتعلقة بالتضخم الأمريكي لا تزال تلقي بظلالها على توجهات المستثمرين، إذ تشير بعض البيانات الأخيرة إلى أن وتيرة تراجع التضخم لا تزال بطيئة، ما قد يدفع الفيدرالي إلى التريث قبل اتخاذ قرار خفض الفائدة. وتؤدي هذه التوقعات إلى إعادة تسعير الأصول المالية، بما في ذلك العملات المشفرة، وفق سيناريو استمرار التشديد النقدي.
كما يراقب المستثمرون عن كثب تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، التي تؤكد التزام البنك المركزي بمحاربة التضخم وإعادته إلى مستهدفاته، حتى وإن استدعى الأمر الإبقاء على الفائدة مرتفعة لفترة أطول. ويُنظر إلى هذه الرسائل على أنها إشارة واضحة إلى أن السياسة النقدية لن تتجه سريعًا نحو التيسير، وهو ما يحد من شهية المخاطرة في الأسواق.
في المقابل، يرى بعض المتابعين أن التراجعات الحالية قد تمثل فرصة شراء على المدى المتوسط والطويل، خاصة إذا استمرت المؤسسات المالية الكبرى في زيادة انكشافها على الأصول الرقمية. ويشير هؤلاء إلى أن بيتكوين ما زالت تحظى باهتمام متزايد بوصفها مخزنًا للقيمة ووسيلة تحوط محتملة ضد التقلبات الاقتصادية، رغم حساسيتها العالية لتغيرات السياسة النقدية.
وتبقى تحركات بيتكوين في المرحلة المقبلة رهينة بعدة عوامل، أبرزها مسار أسعار الفائدة الأمريكية، وأداء الدولار، وتدفقات الاستثمارات المؤسسية، إضافة إلى تطورات تنظيمية قد تؤثر على السوق. وفي ظل هذه المعطيات، يتوقع أن تظل العملة الرقمية الأكبر من حيث القيمة السوقية عرضة لتقلبات حادة، مع استمرار التفاعل السريع بين سوق التشفير والتطورات الاقتصادية العالمية.
وبينما يترقب المستثمرون أي إشارات جديدة من صناع القرار في الولايات المتحدة، يظل مستوى 68 ألف دولار نقطة مفصلية لحركة بيتكوين، إذ قد يحدد الثبات فوقه أو كسره اتجاه السوق خلال الأسابيع المقبلة، في وقت تتزايد فيه حساسية الأسواق تجاه أي بيانات اقتصادية أو تصريحات رسمية قد تعيد تشكيل توقعات السياسة النقدية.


