كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
أعلن برلمان النظام العسكري في بوركينا فاسو حل الأحزاب السياسية التي كانت أنشطتها معلّقة منذ استيلاء المجلس العسكري على السلطة في سبتمبر 2022، في خطوة تمثل تحولاً سياسياً جديداً يكرّس سيطرة المؤسسة العسكرية على المشهد الداخلي ويثير تساؤلات حول مستقبل الحياة الديمقراطية في البلاد.
وجاء القرار خلال جلسة رسمية للهيئة التشريعية التابعة للسلطات الانتقالية، حيث تم إقرار حل جميع الأحزاب التي كانت مجمّدة منذ الانقلاب، وذلك ضمن سلسلة من الإجراءات التي تقول السلطات إنها تهدف إلى “إعادة تنظيم الحياة السياسية” في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه الدولة الواقعة في منطقة الساحل الإفريقي.
وكانت الأنشطة الحزبية قد توقفت منذ الإطاحة بالحكومة المدنية في سبتمبر 2022، عندما استولى الجيش على السلطة في انقلاب عسكري برره قادته بفشل الحكومة السابقة في مواجهة تصاعد الهجمات المسلحة التي تنفذها جماعات متشددة في مناطق واسعة من البلاد. ومنذ ذلك الحين، تم تعليق العمل بالدستور وحل البرلمان والحكومة، قبل تشكيل مؤسسات انتقالية بقيادة عسكرية.
ويمثل قرار حل الأحزاب بشكل رسمي خطوة أبعد من مجرد التعليق المؤقت للأنشطة السياسية، إذ يعني فعلياً إنهاء الإطار الحزبي الذي كان قائماً قبل الانقلاب، وإعادة تشكيل المشهد السياسي وفق رؤية السلطة الانتقالية. ويرى مراقبون أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى إضعاف القوى السياسية التقليدية، وتمنح المؤسسة العسكرية مزيداً من الوقت لإدارة البلاد دون ضغوط حزبية أو انتخابية.
من جانبها، أكدت السلطات الانتقالية أن القرار يأتي في إطار مسار إصلاحي شامل، يهدف إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة وترتيب الساحة السياسية قبل أي عملية انتقال ديمقراطي مستقبلية. وتشير التصريحات الرسمية إلى أن البلاد تمر بمرحلة استثنائية تتطلب إجراءات استثنائية، خصوصاً في ظل التحديات الأمنية المتزايدة التي تهدد الاستقرار الداخلي.
غير أن هذا القرار أثار مخاوف لدى أطراف سياسية ومدنية، حيث حذرت بعض الشخصيات العامة من أن حل الأحزاب قد يؤدي إلى تقليص مساحة العمل السياسي وإضعاف المشاركة الشعبية في صنع القرار. ويرى منتقدون أن هذه الخطوة قد تطيل أمد الحكم العسكري وتؤخر العودة إلى النظام الدستوري، خصوصاً إذا لم يتم تحديد جدول زمني واضح لإعادة الحياة الحزبية وإجراء الانتخابات.
وتواجه بوركينا فاسو منذ سنوات وضعاً أمنياً معقداً، حيث تشهد مناطق واسعة من شمال وشرق البلاد هجمات متكررة من جماعات مسلحة، ما أدى إلى نزوح مئات الآلاف من السكان وتدهور الأوضاع الإنسانية. وقد استخدمت السلطات العسكرية هذا الوضع لتبرير إجراءاتها السياسية، مؤكدة أن الأولوية القصوى يجب أن تكون لاستعادة الأمن والاستقرار قبل أي استحقاقات سياسية.
وفي ظل هذه التطورات، يبقى مستقبل العملية الانتقالية في بوركينا فاسو غير واضح المعالم، خاصة مع استمرار التحديات الأمنية والاقتصادية، وتزايد الضغوط الدولية المطالبة بعودة سريعة إلى الحكم المدني. وبينما تؤكد السلطات أن قراراتها تأتي في إطار إصلاح شامل، يترقب الشارع البوركيني خطوات ملموسة تحدد مسار المرحلة المقبلة وتوضح موعد استعادة الحياة السياسية بشكل كامل.
وتضع هذه الخطوة البلاد أمام مرحلة سياسية جديدة، تتسم بغياب التعددية الحزبية في الوقت الراهن، ما يزيد من أهمية القرارات القادمة التي ستتخذها السلطة الانتقالية، سواء فيما يتعلق بإصلاح المؤسسات أو تحديد موعد الانتخابات، وهو ما سيحدد مستقبل الحكم في بوركينا فاسو خلال السنوات المقبلة.


