كتب : نجلاء محجوب
كنا جالسينَ البارحةَ على الطريقِ،
نعدُّ النجومَ الهاربةَ من سطوةِ الليلِ،
أمام بيتٍ قديمٍ من طينٍ خلف التلةِ،
الهواءُ كان ثقيلًا،
والنجومُ تتلاشى بين الغيومِ،
كأنها تختبئُ من أنظارِنا.
والليلُ ظلَّ يراقبُنا… بصمتٍ.
كأنه يعرف شيئًا نجهلهُ.
شقَّ الصمتَ الطويلَ صوتٌ غريبٌ.
خرج من حنجرةٍ صدئةٍ،
مبحوحًا كمحاولةٍ بائسةٍ،
لإيقافِ قطارٍ،
هذا الغريبُ.
لم أعهدهُ هنا من قبلُ،
شيءٌ خفيٌّ يرافقهُ.
يمشي ببطءٍ،
منكبًّا في خطاهُ،
يتحدثُ بصوتٍ مكتومٍ.
لا أعرفُ من أيِّ عتمةٍ أتى،
ولا من أيِّ زمنٍ حُمِل إلينا،
أربكتني هيئتهُ،
التي بدت غير مألوفةٍ.
جلبابهُ المتهدّلُ
كستارٍ مسرحيٍّ مرقّعٍ،
نجا من حروبٍ صغرى
لا يتذكّرها أحدًّا سواه،
قصَرهُ،
نحافتهُ الحادّةُ،
وجههُ المبتلّ بلا مطرٍ،
وعيناهُ التي تبصران بالبصيرةِ،
كأنهما تريان حقًّا—
أخافتني.
يتكئ على عصا قديمةٍ
تعرف طريقها.
وخطاهُ واثقةٌ،
كأنه يحمل كلَّ الطرقِ
الضائعةَ في كفّهِ،
توقّف أمامنا.
دقَّ الترابَ دقتينِ.
حطّ عصاهُ تجاهي،
وتحدّث إلى ظلّي
كأنه يعرفهُ حقًّا.
وظلّي ينصتُ ويرتجف،
كأنه يقف على قدمينِ من خوفٍ،
وأنا أرتجفُ في الداخلِ،
من خلفِ البيتِ
تدفّقت ظلالٌ،
يهمسون بشيءٍ.
يطأطئون رؤوسَهم،
التفّتوا حولهُ،
فصار ظلًّا عملاقًا!
وعند مفترقِ الطرقِ
قُيِّدت الجهاتُ
بصمتٍ ممتدٍّ..
واختفى كلُّ شيءٍ،
تبخّر دون أثرٍ،
ترك فراغًا ثقيلًا،
لا يُفسَّرُ،
حين غادروا،
سمعت وقعَ خطاهم
يتسلّل نحو اللاشيءِ.
لم يتبقَّ شيءٌ هنا،
غيري.
حاولت العودةَ،
لكن قدمي ثابتةٌ،
كأنها نسيت الطريقَ
ولا تتذكّر العودةَ،
أقف في خطواتٍ،
تتحرّك ولا تصلُ.
وأضواءُ البيوتِ
تبتعد أكثر فأكثر،
كأنها تختفي
بين الغيومِ،
البيتُ أمامي صامتٌ.
وظلي يلوح من بعيد أن أجيء
وقدمي تدعي الاختفاء.
لا أحد يشعر بإرتجافتي.
القلمُ مثلي هاربٌ.
الورقةُ في يدي
فارغةٌ،
والمحبرةُ
تشهق خوفًا.


