كتب : دينا كمال
تعثر الخيار العسكري الأميركي.. لماذا تتجنب واشنطن الحرب مع إيران؟
تشير التحركات العسكرية الأميركية الأخيرة في الشرق الأوسط إلى تحول واضح في النهج العملياتي لواشنطن، يتمثل في الانتقال من الاستعداد لشن هجوم عسكري إلى تبني استراتيجية دفاعية تهدف إلى احتواء أي رد محتمل.
وبدلاً من التحضير لضربة مباشرة ضد إيران، يركز البنتاغون على نشر منظومات دفاع جوي إضافية، في مسعى لتقليص آثار رد تتوقعه واشنطن واسعاً ومكلفاً. ويعكس هذا التوجه، وفق تقديرات عسكرية، إدراكاً بصعوبة خوض حرب يمكن التحكم بمساراتها وتداعياتها.
وتفيد تحليلات صادرة عن دوائر أمنية وعسكرية بأن التفوق الجوي الأميركي لم يعد عاملاً حاسماً في أي مواجهة محتملة مع إيران، في ظل تطور قدرات طهران الصاروخية وتعدد أدوات الردع التي تمتلكها.
ويرى خبراء أن التركيز الأميركي الحالي ينصب على حماية القوات المنتشرة في المنطقة وحماية الحلفاء، بدلاً من التحضير لعمل عسكري واسع، ما يعكس تردداً واضحاً في اتخاذ قرار الحرب.
في المقابل، تتزايد التساؤلات في الأوساط الإقليمية حول جدية واشنطن في تنفيذ هجوم عسكري، وسط تقديرات تشير إلى أن التصعيد السياسي والعسكري يهدف في الأساس إلى ممارسة ضغوط تفاوضية، وليس الانخراط في مواجهة مباشرة.
وتظهر التقديرات الإسرائيلية بدورها تبايناً في المواقف بشأن احتمال وقوع ضربة أميركية قريبة، مع بروز مساعٍ دبلوماسية للتهدئة إلى جانب سيناريوهات عسكرية غير محسومة.
ويرجح محللون أن إيران بنت استراتيجيتها الدفاعية على تحييد التفوق العسكري الأميركي، عبر ترسانة صاروخية متنوعة تشمل صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة وقدرات هجوم متزامن، صُممت لإرباك أنظمة الدفاع الغربية واستنزافها.
وتعتمد الولايات المتحدة على منظومات دفاعية متطورة، إلا أنها تواجه تحديات تتعلق بمحدودية عددها، وارتفاع كلفة تشغيلها، وصعوبة التصدي لهجمات كثيفة ومتعددة الاتجاهات، ما يجعل فعاليتها محصورة بالدفاع المؤقت وليس بحماية مسرح عمليات واسع.
وفي حال اندلاع مواجهة شاملة، يُنظر إلى إسرائيل على أنها نقطة ضعف مركزية، إذ يكفي إحداث اختراقات صاروخية مؤثرة لإرباك الداخل وشل المرافق الحيوية، ما قد ينعكس سلباً على صورة الردع الأميركي عالمياً.
كما تراهن إيران، وفق التقديرات، على إطالة أمد أي صراع محتمل وفتح جبهات متعددة، في مقابل اعتماد الولايات المتحدة وحلفائها على نموذج الحروب السريعة، الذي لم يعد فعالاً أمام خصم مستعد لتحمل كلفة المواجهة الطويلة.
ويحذر مراقبون من أن أي تصعيد واسع في الخليج أو مضيق هرمز سيؤدي إلى اضطرابات حادة في أسواق الطاقة وسلاسل التوريد العالمية، ما يجعل خيار الحرب مكلفاً سياسياً واقتصادياً حتى داخل المعسكر الغربي.
وتزداد المعضلة الأميركية تعقيداً مع تراجع الغطاء الإقليمي، في ظل امتناع دول خليجية رئيسية عن الانخراط في أي عمل عسكري مباشر أو السماح باستخدام أراضيها وأجوائها، في إشارة إلى فقدان الثقة بإمكانية إدارة حرب إقليمية شاملة.
وتكشف هذه المعطيات أن واشنطن باتت تميل إلى التراجع خطوة إلى الخلف، مع تغليف هذا التوجه بلغة الاستعداد الدفاعي، في وقت تتراجع فيه فاعلية التفوق العسكري التقليدي أمام استراتيجيات الردع غير المتكافئ.
وفي هذا السياق، يرى محللون أن الضربة الأميركية لا تتأخر بقدر ما تتعطل، إذ تعكس التحركات الحالية استعداداً لاحتواء الرد وليس لفرض مواجهة حاسمة، في ظل كلفة مخاطر تفوق أي مكاسب عسكرية محتملة.


