كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
تشهد الأسواق المالية العالمية حالة من التقلب في قيمة الدولار الأمريكي مقابل سلة من العملات الأجنبية الرئيسية، في ظل ضغوط اقتصادية وجيوسياسية متصاعدة أثرت على معنويات المستثمرين حول العالم.
وأظهرت بيانات الأسواق المالية الدولية أن مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأمريكية مقابل مجموعة من العملات الكبرى، شهد تراجعًا ملموسًا في الأيام الأخيرة، مسجلاً أدنى مستوياته خلال السنوات الأربع الماضية. ويأتي هذا التراجع قبيل اجتماعات مهمة للبنك المركزي الأمريكي، وسط ترقب في الأسواق بشأن اتجاه أسعار الفائدة والسياسات النقدية المقبلة.
ويرى محللون اقتصاديون أن انخفاض قيمة الدولار يعكس تغيرات في توقعات المستثمرين بشأن السياسة النقدية الأمريكية، إضافة إلى تأثير التطورات الجيوسياسية حول العالم، ما دفع بعض رؤوس الأموال إلى البحث عن ملاذات استثمارية بديلة مؤقتًا.
أسباب التراجع
من بين العوامل التي ساهمت في تراجع الدولار:
تخفيف التوقعات حول رفع كبير في أسعار الفائدة الأمريكية، ما قلّص الطلب على العملة.
ارتفاع قوة بعض العملات الكبرى مقابل الدولار نتيجة تعافي اقتصاداتها، مثل اليورو والين الياباني.
مخاوف متعلقة بالضغوط السياسية الداخلية في الولايات المتحدة وعجز الميزانية، ما أثّر على ثقة المستثمرين في الدولار كملاذ آمن.
وجاء الانخفاض في قيمة مؤشر الدولار إلى مستويات لم تُسجّل منذ سنوات، مع استمرار ميل العملة الأمريكية نحو الضعف التدريجي في مواجهة العملات الأخرى.
تعاملات المؤسسات والمستثمرين
في أسواق الفوركس العالمية، أثر تراجع الدولار بشكل واضح على أزواج العملات، حيث ارتفعت قيمة بعض العملات مثل اليورو والين مقابل الدولار خلال جلسات التداول الأخيرة. وشهدت العقود الآجلة والأسواق المالية تحركات كبيرة مع اتجاه الدولار نحو الهبوط في بعض الإطارات الاستثمارية.
ويُظهر ذلك أن المستثمرين بدأوا يعيدون النظر في استراتيجياتهم، خصوصًا في ظل توقعات بأن السياسة النقدية الأمريكية قد تبقى أكثر اعتدالًا، ما يقلّل من جاذبية الأصول المقوّمة بالدولار مقارنةً بالأصول الأخرى.
تأثير انخفاض الدولار عالميًا
يؤثر تراجع قيمة الدولار الأمريكي على عدة مستويات في الاقتصاد العالمي:
أولاً – التجارة الدولية: انخفاض الدولار يجعل الصادرات الأمريكية أرخص في الأسواق الخارجية، وقد يدعم بعض القطاعات التصديرية، لكنه في الوقت نفسه يرفع تكلفة الواردات إلى الولايات المتحدة.
ثانيًا – أسواق السلع: غالبًا ما يرتفع سعر السلع مثل الذهب والنفط عندما يضعف الدولار، ما يدفع المستثمرين للبحث عن أصول تحوط أمام ضعف العملة.
ثالثًا – الاقتصادات الناشئة: تقلب قيمة الدولار يؤثر بشكل مباشر على أسواق العملات في الدول الناشئة، ويؤثر على تكلفة القروض المقومة بالدولار وسداد الديون الدولية.
توقعات المحللين للفترة المقبلة
يرى بعض الخبراء أن مؤشر الدولار قد يبقى في حالة تذبذب خلال الأجل القريب ما لم تظهر بيانات اقتصادية قوية تدعم ارتفاعه، بينما يرى آخرون أن الدولار قد يستعيد قوته إذا قرر الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تشديد سياسته النقدية في مواجهة التضخم.
وعلى الرغم من هذه التقلبات، لا يزال الدولار يحتفظ بمكانته كعملة احتياطية أولى في العالم، نظرًا لدوره المركزي في التجارة الدولية والتمويل العالمي، لكن المرحلة الحالية تُظهر أن هيمنة الدولار ليست بمنأى عن التغيرات الاقتصادية والسياسية العالمية.


