كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
تُعد ثعابين “الأنف الخنزيري” من أكثر الزواحف غرابة وإثارة للاهتمام في عالم الحيوان، ليس بسبب شكل أنفها المميز فقط، بل بسبب سلوك دفاعي فريد يعتمد على الخداع والتمثيل المتقن، حيث تلجأ هذه الثعابين إلى التظاهر بالموت لخداع أعدائها والنجاة من الخطر.
تعيش هذه الثعابين في مناطق مختلفة من أمريكا الشمالية، وتُعرف علميًا بسلوكها الدفاعي المعقد الذي يبدأ عادة بمحاولات ترهيب بسيطة قبل الانتقال إلى “الخطة الأخيرة”. فعند شعورها بالتهديد، تقوم في البداية بنفخ رقبتها وتسطيحها وإصدار أصوات فحيح عالية في محاولة لإخافة المفترس وإيهامه بأنها أكثر خطورة مما تبدو عليه في الواقع.
وإذا لم تنجح هذه المحاولات، تنتقل الثعابين إلى مرحلة أكثر درامية، حيث تبدأ بالتقلب على الأرض بعنف وفتح فمها وإخراج لسانها بشكل متكرر، ثم تتوقف فجأة عن الحركة وتسقط على ظهرها، مع إبقاء الفم مفتوحًا واللسان متدليًا، في مشهد يشبه تمامًا الموت الحقيقي. وفي بعض الحالات، قد تُخرج إفرازات ذات رائحة كريهة من جسدها لتعزيز الخدعة وجعلها أكثر إقناعًا.
ويؤكد علماء الأحياء أن هذه الثعابين لا تكتفي بالتمثيل السطحي، بل تُتقن دور “الجثة” بشكل مذهل، فإذا حاول أحد قلبها على بطنها، تعود فورًا للاستلقاء على ظهرها وكأنها مصرة على البقاء “ميتة”. وقد تستمر هذه الحالة لعدة دقائق أو حتى لفترة أطول، إلى أن تشعر بزوال الخطر تمامًا.
ويُرجع الخبراء نجاح هذه الخدعة إلى حقيقة أن العديد من المفترسات تتجنب أكل الحيوانات الميتة خوفًا من الأمراض أو التسمم، ما يمنح ثعابين الأنف الخنزيري فرصة ذهبية للهروب بمجرد ابتعاد العدو. وعند التأكد من أن المنطقة أصبحت آمنة، تعود الثعبان تدريجيًا إلى وضعها الطبيعي وتتحرك بهدوء وكأن شيئًا لم يكن.
ويشير الباحثون إلى أن هذا السلوك يُعد مثالًا واضحًا على الذكاء التطوري، حيث طورت هذه الثعابين استراتيجية دفاعية غير عنيفة، تعتمد على الخداع بدلًا من القوة أو السم، خاصة أنها في الأصل غير سامة وتشكل خطرًا ضئيلًا على البشر.
كما يؤكد العلماء أن هذا السلوك لا يُستخدم عبثًا، بل هو الملاذ الأخير للثعبان عندما تفشل كل محاولات الترهيب الأخرى، ما يعكس قدرة مذهلة على تقييم الموقف واتخاذ القرار المناسب للبقاء.
ختامًا، تكشف ثعابين “الأنف الخنزيري” من خلال هذا السلوك الاستثنائي أن النجاة في عالم الطبيعة لا تعتمد دائمًا على القوة أو السرعة، بل قد تكون الحيلة والتمثيل أحيانًا السلاح الأذكى، في درس بليغ عن التنوع المدهش لأساليب البقاء في الحياة البرية.


