كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
تشهد الساحة السياسية اللبنانية في الأشهر الأخيرة تحولات كبيرة داخل المكونات المسيحية، مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية المقبلة، ما يفتح الباب أمام إعادة ترتيب التحالفات التقليدية وتشكيل تحالفات جديدة تعتمد على مصالح سياسية واستراتيجية في ظل الأوضاع الاقتصادية والأمنية المتدهورة في البلاد.
الواقع المسيحي الحالي في لبنان
تمثل الطوائف المسيحية في لبنان شريحة سياسية مهمة تمتلك تأثيرًا بارزًا في القرار الوطني، خصوصًا مع التوازن الطائفي الدستوري الذي يمنحها تمثيلًا ثابتًا في البرلمان والحكومة. ومع تراجع شعبيتها نتيجة الأزمات الاقتصادية والسياسية الأخيرة، برزت الحاجة إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي المسيحي لضمان حضور فعّال في الانتخابات المقبلة.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن الأحزاب المسيحية الكبرى مثل التيار الوطني الحر، القوات اللبنانية، والكتائب اللبنانية تعمل على مراجعة حساباتها الانتخابية وتحديد مناطق النفوذ، في ظل تنافس متزايد على المقاعد المسيحية في مختلف الدوائر الانتخابية.
إعادة رسم التحالفات التقليدية
أحد أبرز التحديات الحالية هو التوازن بين التحالفات التقليدية والانفتاح على قوى جديدة. فبينما حافظت بعض الأحزاب على تحالفاتها القديمة، مثل التيار الوطني الحر مع بعض القوى الحليفة على المستوى المحلي، تبحث الأطراف الأخرى عن شراكات استراتيجية جديدة لتعزيز حضورها البرلماني، خصوصًا في المناطق التي تشهد تغيّرًا ديموغرافيًا أو انسحابًا جزئيًا لأحزاب تقليدية.
ويرى المحللون أن هذه التحالفات ليست ثابتة، بل تتشكل وفق المصالح الانتخابية الضيقة، مع مراعاة عوامل مثل:
الوزن الشعبي لكل حزب أو تيار في كل دائرة انتخابية.
القدرة على حشد الناخبين المسيحيين في ظل ارتفاع نسب المغتربين والعزوف عن الانتخابات.
التأثير الإقليمي والدولي، خصوصًا مع تدخل بعض الدول الغربية والشرق أوسطية في دعم مرشحين أو تحالفات معينة.
استراتيجية الكتل المسيحية الكبرى
التيار الوطني الحر: يسعى للحفاظ على حصته في البرلمان عبر التمسك بتحالفات محلية، لكنه يدرس أيضًا فتح أبواب تفاهمات مع بعض القوى المستقلة لتأمين أكبر عدد ممكن من المقاعد.
القوات اللبنانية: تركز على تشكيل كتلة متماسكة يمكنها المنافسة في مختلف المناطق، مع محاولة اجتذاب ناخبين من خارج قاعدة الحزب التقليدية.
الكتائب اللبنانية: تعتمد على الحضور الشعبي والتحالف مع مرشحين مستقلين لتعزيز موقعها السياسي وتقوية التأثير المسيحي في البرلمان.
دور المرشحين المستقلين والتحالفات الصغيرة
لا يمكن تجاهل تأثير المرشحين المستقلين والمجموعات المسيحية الصغيرة، الذين يسعون إلى استغلال حالة الانقسام بين الأحزاب الكبرى لتأمين مقاعدهم. وقد شهدت الساحة مؤخرًا تشكيل مجموعات جديدة تعتمد على برامج إصلاحية أو سياسية محلية، ما يزيد من تعقيد المشهد ويجعل التحالفات التقليدية عرضة للتغيير.
العوامل المؤثرة على التحالفات
الوضع الاقتصادي الصعب: دفع الأزمات المالية الكثير من الأحزاب إلى البحث عن حلفاء قادرين على تعبئة الموارد والناخبين.
الانقسام الداخلي: الانقسامات بين قيادات الأحزاب المسيحية نفسها قد تؤدي إلى إعادة ترتيب التحالفات أو حتى انفصال بعض الفصائل عن تحالفات سابقة.
الضغوط الإقليمية والدولية: تدخل بعض الدول الغربية والخليجية في دعم مرشحين أو تحالفات معينة يؤثر على استراتيجيات الأحزاب المحلية.
تغير المشهد الانتخابي والقانون الجديد للانتخابات: نظام النسبية وقوانين الدوائر الانتخابية الجديدة تجعل من الضروري تكوين تحالفات أوسع لضمان الحصول على مقاعد.
توقعات ما قبل الانتخابات
يشير المراقبون إلى أن الانتخابات المقبلة ستشهد تحالفات مرنة ومتغيرة، وربما تشهد بعض المفاجآت في توزيع المقاعد المسيحية بين الأحزاب الكبرى والصغيرة، بما في ذلك مرشحين مستقلين، خاصة مع تزايد الضغط الشعبي على الأحزاب للمساءلة عن الأزمات الأخيرة.
وبناءً على المعطيات الحالية، يبدو أن الانتخابات البرلمانية المقبلة ستعيد رسم الخارطة السياسية المسيحية في لبنان، مع احتمال بروز تحالفات جديدة يمكن أن تؤثر على موازين القوى الوطنية بشكل عام، بما يشمل القدرة على تشكيل حكومة جديدة أو التأثير في قرارات البرلمان المستقبلية.
في الختام، يظهر أن المشهد المسيحي قبل الانتخابات أصبح أكثر ديناميكية وتعقيدًا، مع تزايد أهمية الاستراتيجيات الانتخابية المرنة والقدرة على بناء تحالفات تكفل تحقيق أكبر عدد ممكن من المقاعد، في ظل واقع سياسي واقتصادي صعب يفرض على الأحزاب المسيحية إعادة التفكير بخططها التقليدية.


