كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
يلاحظ الكثير من الناس أن قدرتهم على تذكر التفاصيل اليومية والأحداث الماضية تتراجع مع التقدم في العمر، وهو أمر طبيعي يرافق الشيخوخة، لكنه يثير تساؤلات حول الآليات البيولوجية والعصبية التي تؤدي إلى هذا التراجع.
تشير الدراسات الحديثة إلى أن التغيرات في بنية الدماغ ووظائفه تلعب دورًا رئيسيًا في ضعف الذاكرة عند كبار السن. فعلى سبيل المثال، يلاحظ الباحثون انخفاض حجم مناطق محددة في الدماغ مثل الحُصين (Hippocampus)، وهي المنطقة المسؤولة عن تكوين وتخزين الذكريات الجديدة. هذا الانكماش قد يؤثر على قدرة الدماغ على معالجة المعلومات واسترجاعها بدقة وسرعة.
كما تشير الأبحاث إلى أن الانخفاض التدريجي في مستويات بعض المواد الكيميائية العصبية، مثل الأسيتيل كولين والدوبامين، قد يساهم في ضعف الذاكرة والتركيز. هذه المواد تلعب دورًا حيويًا في التواصل بين الخلايا العصبية، وبالتالي أي نقص فيها يؤثر على كفاءة الدماغ في معالجة المعلومات.
إضافة إلى ذلك، يؤكد العلماء أن العوامل الصحية المرتبطة بالشيخوخة، مثل ارتفاع ضغط الدم، السكري، نقص النوم المزمن، وقلة النشاط البدني، يمكن أن تزيد من حدة ضعف الذاكرة. كذلك تلعب الضغوط النفسية والاكتئاب دورًا في تراجع القدرة على التركيز والتذكر لدى كبار السن.
وتشير الدراسات الحديثة أيضًا إلى أن التغيرات في الدورة الدموية الدماغية تؤثر على وصول الأكسجين والمواد الغذائية إلى الخلايا العصبية، ما يقلل من كفاءتها ويزيد من صعوبة تكوين ذكريات جديدة أو استرجاع القديمة.
في المقابل، يوضح الباحثون أن الذاكرة ليست كلها عرضة للتراجع بنفس القدر، فهناك أنواع معينة من الذكريات، مثل الخبرات الطويلة الأمد والمهارات المكتسبة، غالبًا ما تبقى أكثر ثباتًا مقارنة بالذكريات قصيرة الأمد والتفاصيل اليومية.
وينصح الخبراء بأن المحافظة على النشاط العقلي والبدني، مثل القراءة، حل الألغاز، ممارسة الرياضة، والحفاظ على نظام غذائي صحي، يمكن أن يبطئ من تدهور الذاكرة المرتبط بالعمر، ويعزز القدرة على التركيز واسترجاع المعلومات بشكل أفضل.
في النهاية، يظل ضعف الذاكرة مع التقدم في العمر ظاهرة طبيعية إلى حد كبير، لكنه قابل للإدارة والتحسين من خلال أسلوب حياة صحي ونشاط مستمر للدماغ والجسم، مما يتيح لكبار السن الحفاظ على جودة حياتهم واستقلاليتهم لأطول فترة ممكنة.


