كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
كشف علماء أن هناك مخزونًا هائلاً من المياه العذبة تحت قاع المحيط الأطلسي قبالة الساحل الشرقي للولايات المتحدة، ويُعتقد أن هذه الطبقة من المياه تكفي لتلبية احتياجات مدينة بحجم نيويورك لمدة نحو 800 عام، في ما يوصف بأنه “كنز طبيعي” قد يُغيّر تصوّرنا لمصادر المياه في المستقبل.
اكتشاف ضخم في الأعماق
المياه العذبة المكتشفة لا تتواجد في شكل بحيرة مفتوحة تحت الماء، بل على هيئة خزان جوفي ضخم محتبس تحت طبقات الرواسب البحرية الملحية. هذا الخزان يمتد من قبالة سواحل نيو جيرسي في الجنوب حتى ولاية مين في الشمال الشرقي، ويقع على أعماق كبيرة تحت قاع البحر.
وتشير الدراسات إلى أن هذا المخزون قد يكون أعمق وأوسع مما كان يُعتقد سابقًا، إذ استُخرج من مناطق قريبة من جزيرتي “نانتوكيت” و“مارثا فينيارد” آلاف اللترات من المياه خلال بعثة استكشافية استمرت ثلاثة أشهر، وأظهرت التحاليل الأولية أن المياه تتراوح في عذوبتها بين صالحة للشرب وقريبة جدًا من ذلك.
كيف تكون هذا الخزان؟
يعتقد العلماء أن تكون هذا المخزون يعود إلى العصر الجليدي الأخير قبل نحو 20 ألف سنة، عندما كان مستوى سطح البحر أقل بكثير مما هو عليه اليوم، مما سمح لأمطار وأنهار المياه العذبة بالتسرب إلى باطن الأرض وتراكمها في طبقات تحت البحر. وبعد ارتفاع مستوى سطح البحر، بقيت هذه المياه محبوسة تحت الرواسب البحرية وكأنها “خزان طبيعي” مخفي.
وفقًا للباحثين، هناك عدة آليات محتملة لتكوّن مثل هذه الخزانات في أعماق البحار:
انخفاض مستوى سطح البحر الذي سمح بدخول المياه العذبة إلى نظم أرضية كانت جافة آنذاك.
الضغط الناجم عن الصفائح الجليدية في فترات الجليد، والذي قد دفع المياه إلى أعماق أكبر.
تفاعل مياه الأنهار والأمطار مع الرواسب تحت القاع.
إمكانات كبيرة… وتحديات ضخمة
الإمكانات العلمية لاكتشاف مثل هذا الخزان ضخمة؛ فوجود مصدر مياه عذبة بهذا الحجم قد يشكل جزءًا مهمًا من حلول الأمن المائي في المستقبل، خاصة مع تزايد الطلب على المياه النظيفة في المدن الكبرى في مختلف أنحاء العالم.
لكن استغلال هذه المياه لا يزال في نطاق البحث العلمي، لأن هناك تحديات تقنية واقتصادية وقانونية كبيرة يجب تجاوزها قبل أن يمكن ضخها إلى السطح واستخدامها في الإمداد البشري. الحفر في أعماق المحيط تحت طبقات الرواسب المالحة يتطلب تكنولوجيا متقدمة وضمانات بيئية لمنع التأثيرات السلبية على النظام البحري.
سياق أوسع لمصادر المياه العذبة
هذه ليست المرة الأولى التي يُكتشف فيها وجود مياه عذبة في أماكن غير متوقعة تحت سطح الأرض أو حتى تحت البحر. على مدى عقود من الزمن، وجدت بعثات جيولوجية طبقات من المياه العذبة المدفونة أسفل الرواسب البحرية في عدة مواقع حول العالم، وقد أعادت هذه الاكتشافات التفكير في الإمكانات الحقيقية لمصادر المياه الجوفية التي لم تُستغل بعد.
وتجدر الإشارة إلى أن المياه العذبة تعتبر من الموارد الحساسة عالميًا، فمع التغيرات المناخية وتزايد السكان وضغوط التنمية، فإن مصادر المياه النظيفة أصبحت واحدة من أهم التحديات البيئية والاقتصادية التي تواجه البشرية في القرن الحادي والعشرين.


