كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
دعت الأمم المتحدة، في أحدث موقف رسمي صادر عن مؤسساتها المعنية بالقضية الفلسطينية، إسرائيل إلى إيجاد وقف فوري وكامل للإجراءات التي تؤدي إلى ما وصفته بـ«التشظّي الجغرافي والديموغرافي للفلسطينيين» داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وحذّرت من أن التوسع الاستيطاني في المنطقة المعروفة بـ E1 يعرّض القدس الشرقية لخطر عزلة تامة، ما يمثل تهديدًا خطيرًا لإمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة واستدامة أي تسوية سلمية مستقبلية.
جاء هذا التحذير في سياق جلسات مكثّفة للجنة الأمم المتحدة الخاصة بتقييم الأوضاع على الأرض في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث قدم خبراء الأمم المتحدة تقريرًا مفصلًا أمام مجلس الأمن الدولي يسلّط الضوء على التطورات الأخيرة في الضفة الغربية وبلدة القدس الشرقية، خصوصًا المحاذية للمناطق الاستيطانية الإسرائيلية. وشرح التقرير كيف أن سلسلة من الإجراءات الإسرائيلية – بما في ذلك مصادرة الأراضي، وفرض قيود على حركة الفلسطينيين، وتوسعة البنى الاستيطانية – تُحدث انشقاقات في النسيج الجغرافي الفلسطيني، ما يجعل من إمكانية الربط بين مناطق الضفة الغربية وخاصة القدس الشرقية أمراً بالغ الصعوبة.
وأكد التقرير أن المنطقة E1، الواقعة شرق القدس المحتلة وقُرب مستوطنة معاليه أدوميم الإسرائيلية الكبرى، تعتبر محور الاهتمام الدولي في هذا الإطار، حيث تمضي السلطات الإسرائيلية في خطط تنفيذية لتوسعة المستوطنات والبنية التحتية اللبنانية الدافعة لسكان استيطانيين جدد نحو الربط بين تلك المستوطنات وجزء من القدس الشرقية، وهو ما يخلق حاجزًا أو فاصلًا جغرافيًا قد يُقصي الفلسطينيين عن جزء واسع من أراضيهم، ويقوّض في الوقت ذاته إمكانية إقامة عاصمة دولة فلسطينية مستقبلية في القدس الشرقية.
وأشار ممثّل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن هذه السياسات – وفق ما ورد في التقرير – تؤدي إلى تغييرات ديموغرافية ملموسة داخل المدينتين الفلسطينية واليهودية في القدس الشرقية، حيث أن الأرض التي يتم خصمها من الاستخدام الفلسطيني تُستخدم لتوسعة المستوطنات وتطوير مشاريع إسكان مزودة بالبنى التحتية المتكاملة لصالح المستوطنين، مما يزيد من الضغط على السكان الفلسطينيين ويقلّص من فرص توسّعهم العمراني والاجتماعي. وبيّن التقرير أن هذا الأسلوب يشكّل نموذجًا ممنهجًا لخلق فواصل جغرافية وديموغرافية تصبّ في النهاية في تقويض فرص التعايش المستقبلي وقيام دولة فلسطينية متصلة ومترابطة.
في الجلسة نفسها، أكدت مصادر الأمم المتحدة أن هناك زيادة مطّردة في الإجراءات الإدارية والقانونية التي تصعّب من وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم أو تطوير بنيتهم التحتية، وأن هذه الإجراءات غالبًا ما تُبرّر بمسوّغات أمنية، بينما يرى الفلسطينيون والمراقبون أن ثمة دافعًا سياسيًا وراء هذه السياسة المكثّفة للاستيلاء على الأرض وتغيير الحقائق على الأرض. وأضافت المصادر أن المنطقة E1 ليست القضية الوحيدة، بل إن نمطًا مماثلًا يُلاحظ في مناطق أخرى داخل الضفة الغربية، حيث يتم استخدام الأدوات التنظيمية والبلدية لخنق النمو الفلسطيني وتعزيز التوسّع الاستيطاني.
وتطرّق ممثلو الأمم المتحدة في حديثهم إلى التداعيات الإنسانية والاجتماعية لهذه السياسات، مؤكدين أن القيود على حركة الفلسطينيين داخل الضفة الغربية وخصوصًا في محيط القدس تفاقم معاناة السكان وتؤثّر على الخدمات الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية والعمل، كما تحدّ بشكل مباشر من قدرة الفلسطينيين على تحسين معيشتهم أو الحفاظ على استقرار أسرهم في وجه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة.
ورغم التنديد الدولي المتكرر بسياسات الاستيطان وتوسع المناطق المخصّصة للمستوطنين، إلا أن استمرار هذه السياسات دون توقف قد يدفع بتدهور الوضع السياسي إلى ما هو أبعد من نقطة العودة، وفق توصيف خبراء الأمم المتحدة، الذين أكدوا أن المواصلة في استحداث المعالم الديموغرافية والجغرافية التي تفرّق بين الفلسطينيين وتشرذم أراضيهم سيكون له انعكاسات سلبية طويلة الأمد على أي مساعي لتحقيق سلام دائم قائم على حل الدولتين.
من جهتها، أعربت بعثات دبلوماسية لعدد من الدول الأعضاء في مجلس الأمن عن دعمها لبيان الأمم المتحدة، وتأكيدها على ضرورة احترام القوانين الدولية وقرارات الشرعية الدولية المتعلقة بالقدس والأراضي الفلسطينية المحتلة، مشدّدة على أن أي خطوات أحادية الجانب تقوّض من فرص السلام وتعرقل الحوار بين الأطراف يجب أن تُعاد النظر فيها، وأن المجتمع الدولي يتابع بقلق بالغ تطورات الأوضاع على الأرض.
وأكّد ممثل إحدى الدول الأوروبية أن خلق عزل جغرافي وديموغرافي في القدس الشرقية لا يصبّ في مصلحة الاستقرار الإقليمي ولا يعزز من فرص تجديد الحوار السياسي، مطالبًا الحكومة الإسرائيلية بوقف إجراءاتها والعمل على إيجاد حل يضمن احترام حقوق السكان المحليين ويؤدي إلى بيئة أكثر ملاءمة للتعايش والاحترام المتبادل.
في الختام، كرّر ممثلو الأمم المتحدة دعوتهم لوقف أي ممارسات تُفضي إلى تفتيت النسيج الجغرافي والديموغرافي للفلسطينيين، مع التأكيد على أن القدس الشرقية يجب أن تبقى مكانًا يمكن أن يعيش فيه الجميع بكرامة وأمان، داعين إلى تجنّب أي خطوة من شأنها أن تزيد من الاحتقان وتُعقّد من فرص الوصول إلى حل سياسي شامل وعادل.


