كتب : بقلم: د. سيما حقيقي
هل من يرفع صوته أكثر هو الأقوى فعلًا، أم أن الواقع كثيرًا ما يُدار بمن يتركنا نظنّ أننا اخترنا؟
قبل أن نبحث عن إجابة، علينا أن نتوقّف عند معنى السيطرة ذاته، ليس كما تعلّمناه، بل كما نعيشه فعلًا.
فالسيطرة، في السياق العام، تُربط بالقوة الظاهرة، بالحسم، وبالقدرة على فرض الرأي، وباليد التي تبدو ممسكة بزمام الأمور. غير أن هذا الفهم، رغم شيوعه، يختزل مفهومًا أكثر تعقيدًا، ويتجاهل حضوره الأكثر تأثيرًا حين لا يُرى.
فالسيطرة لا تكون دائمًا فعلًا مباشرًا، ولا تحتاج إلى إعلان، ولا تُمارَس بالضرورة من موقع أعلى. هي، في كثير من الأحيان، تعمل في المساحة التي تسبق الاختيار، في اللحظة التي يتكوّن فيها الميل، وتتشكل القناعة، ويُعاد ترتيب الأولويات بهدوء، دون أن نشعر أننا دُفعنا أو وُجّهنا. قد تكون السيطرة كلمة لم تُقَل، أو صمتًا وُضع في توقيته، أو فكرة زُرعت على مهل، فحسبنا أنها نبتت في داخلنا وحدها.
فنحن نميل، بحكم ما نراه، إلى الاعتقاد أن السيطرة تُقاس بما يظهر على السطح. بالكلمة الأعلى، بالقرار الأسرع، بالقدرة على الحسم، وبمن يقول “لا” أولًا. لكنّ الحياة، في دهاليزها الخفية، لا تُدار بهذه البساطة.
فما يبدو سيطرة، قد لا يكون سوى دورٍ اجتماعي متقن، وما يبدو خضوعًا، قد يكون ذكاءً يختار متى يتقدّم… ومتى يترك الآخر يظنّ أنه يقود. السؤال الحقيقي ليس: من يسيطر؟ بل: كيف تُصاغ المعادلة دون أن يشعر أحد أنه خسر؟
لطالما صُوِّر الرجل بوصفه صاحب السيطرة: هو القرار، وهو المنطق، وهو اليد التي تمسك زمام الأمور. وفي المقابل، صُوِّرت المرأة بوصفها مساحة العاطفة، والتكيّف، والاحتواء. لكن هذا التقسيم، مهما بدا مألوفًا، يتجاهل حقيقة أساسية: التحكم لا يسكن الصوت الأعلى، بل العقل الذي يقرأ المشهد كاملًا.
فالسيطرة الصاخبة، في كثير من الأحيان، ليست سوى قناع هشّ للأنا، ومحاولة لإثبات الذات، لا لإدارة العلاقة. بينما السيطرة الصامتة، تلك التي لا تُعلن عن نفسها، تعمل بهدوء من الداخل.
وهنا، يحدث الالتباس. إذ نخلط بين من يمسك المشهد، ومن يمسك توازن المشهد. فالأول قد يفرض اتجاهه لحظة، لكن الثاني يحدد إلى أين تمضي العلاقة على المدى الأبعد.
في العلاقات الإنسانية، لا يحكم من يفرض، بل من يفهم. ولا يقود من يُمسك الدفّة بقبضة مشدودة، بل من يعرف متى يرخِيها، ومتى يغيّر الاتجاه دون أن يُحدث ارتباكًا. وهنا، لا تكون السيطرة فعلًا مباشرًا، بل قدرة على قراءة التوقيت، ومعرفة متى يُقال الشيء، ومتى يُترك ليُفهم وحده.
فالنفوس، حين تُضغط، تقاوم، وحين تُحاصَر، تناور، أما حين تُفهَم، فإنها تكشف أوراقها دون صراع.
وهنا يتسلّل سؤال أكثر حساسية: هل من يحبّ أكثر، يخضع أكثر؟
الجواب ليس مباشرًا كما نحبّ أن نعتقد. فالحب لا يُضعف بذاته، لكن التعلّق الأعمى يفعل، والفارق بينهما دقيق. من يحبّ بوعي، لا يتنازل عن ذاته، ومن يحبّ بدافع الفراغ، يسلّم مفاتيحه دون أن يُطلب منه. ليست المشكلة في الحب، بل في غياب التوازن بين القلب والعقل.
أما التلاعب النفسي، فهو الوجه الأكثر خداعًا للسيطرة. لا يُمارَس بالقوة، بل بالإرباك، بزرع الشك، بتغيير المعايير، بجعل الآخر يعيد تقييم نفسه بدل أن يعيد تقييم العلاقة. هو ذلك الشعور الخفي بأنك تشرح كثيرًا، وتبرّر أكثر مما ينبغي، وتتساءل في داخلك: هل بالغت؟ هل أسأت الفهم؟ هل أنا السبب؟ وهنا تحديدًا، لا تُمارَس السيطرة على القرار، بل على الإحساس بالذات.
وفي هذه المساحة الرمادية، لا رجل ولا امرأة في موقع الضحية أو الجلاد بشكل مطلق، بل شخص يعرف حدوده، وآخر لم يتعلّم بعد كيف يحميها. السيطرة في هذه الحالة لا تُقاس بالجنس، بل بدرجة الوعي.
المرأة، حين تُصغي لحدسها، وحين لا تُفسّر كل شيء بعاطفة لحظية، وحين تعرف متى تتكلم ومتى تصمت، قد تُعيد تشكيل المعادلة كاملة دون أن ترفع راية الانتصار. والرجل، حين يتحرر من وهم السيطرة، وحين لا يرى التوازن تهديدًا لرجولته، يكتشف أن القيادة الحقيقية لا تحتاج إلى شدّ الحبال. فالعلاقة الناضجة لا تبحث عمّن يربح الجولة، بل عمّن يحافظ على المسار.
فهل السعادة في السيطرة؟
لا. لأن السيطرة، في جوهرها، غالبًا ليست تعبيرًا عن قوة، بل محاولة خفيّة لحماية خوفٍ قديم. ومن يرفع صوته كثيرًا، لا يفعل ذلك لأنه قوي، بل لأنه غير مطمئن. ومن يُمسك الآخر بإحكام، لا يبحث عن الهيمنة، بل عن الأمان. لكن الأمان الحقيقي لا يُؤخذ، بل يُبنى.
والعلاقات التي تقوم على الغلبة، تربح جولة، وتخسر الطريق. أما العلاقات التي تقوم على الوعي، فتربح الإنسان.
وهنا، لا يعود السؤال: من يسيطر؟ بل: من يملك اليد… ومن يملك المعادلة؟
ومن يفهم نفسه بما يكفي ليختار التوازن بدل الانتصار، والحضور بدل السيطرة، والحب بدل اللعبة، هو وحده من يملكهما معًا.
وهناك فقط، حيث لا غالب ولا مغلوب، تتوازن المعادلة وتبدأ السعادة.


