كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
في تطور جديد يعكس عمق الأزمة السياسية والاستراتيجية التي تعيشها إسرائيل، تصدّر ملف لجنة إدارة غزة المؤقتة المشهد الداخلي والخارجي، وسط اتهامات متبادلة ومستويات غير مسبوقة من التوتر في العلاقة مع الولايات المتحدة، التي تقود جهود المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.
في الأيام الأخيرة، عبّرت الحكومة الإسرائيلية عن استيائها العميق من إعلان واشنطن تشكيل “لجنة تنفيذية” للإشراف على الخطوات القادمة في غزة دون تنسيق مسبق مع تل أبيب، معتبرة أن هذا الإعلان يتعارض مع سياساتها ويُشكّل فقداناً لجهودها في إدارة ما تبقى من العملية السياسية والأمنية في ملف غزة.
وتشهد إسرائيل انقسامات حادة بين مؤيدين للتعاون الكامل مع الإدارة الأميركية ومعارضين يرون في تشكيل اللجنة وتجاهل التنسيق معها تقويضاً لسيادة الدولة ومصالحها الأمنية. وتأتي هذه الانقسامات في وقت يواجه فيه رئيس الوزراء ضغوطاً سياسية داخلية متصاعدة من أطراف حزبية متعددة، تتهم حكومته بعدم وضوح الرؤية أو القدرة على إدارة الملف بعد انتهاء الحرب، وهو ما فتح باباً واسعاً للنقد داخل المؤسسة السياسية.
الانزعاج الإسرائيلي جاء على خلفية إعلان الولايات المتحدة عن تشكيل لجنة إشرافية على المرحلة التالية من اتفاق وقف إطلاق النار، تشمل شخصيات دولية ومسؤولين أميركيين، وتعمل إلى جانب لجنة فلسطينية لإدارة الحياة اليومية في غزة. وقد علّق مسؤولون في تل أبيب بأن الإعلان جاء دون إشراك كافٍ للحكومة الإسرائيلية، وأن بعض مكوّنات هذه اللجنة تتعارض مع السياسة الإسرائيلية المعروفة تجاه القطاع.
في المقابل، عبّرت الولايات المتحدة عن دعمها لمسار الانتقال السياسي والإداري في غزة وفقاً لخطة شاملة تشمل وقف إطلاق النار، إعادة الإعمار، وإدارة مؤقتة للقطاع. لكن الخلاف مع إسرائيل حول التوقيت، وآليات التنسيق، ومدى مشاركة إسرائيل في هذه الهيئات، أدى إلى تصعيد غير معتاد في العلاقات بين الطرفين.
الانقسام السياسي في إسرائيل لم يقتصر على الخلاف مع واشنطن، بل امتد إلى تيارات داخل الائتلاف الحاكم والمعارضة على حد سواء:
كتلة يمينية داخل الحكومة طالبت بتأكيد دور أمني واضح لإسرائيل، مع رفض أي خطوة تُفهم على أنها تنازل عن السيطرة أو الشرعية.
أحزاب وسط ويسار انتقدت غياب استراتيجية واضحة لإعادة بناء ما بعد الحرب، معتبرة أن إدارة الملف عبر هيئات دولية قد تكون فرصة لتخفيف الأعباء الأمنية والإنسانية عن إسرائيل.
أصوات من المعارضة عبّرت عن قلقها من أن سياسة الحكومة أضعفت موقع إسرائيل دولياً، وأن استمرار الخلافات مع الحليف الأميركي قد يقوّض مصالحها الإقليمية والاستراتيجية.
هذه الانقسامات تأتي في وقت تشهد فيه الحكومة انتقادات واسعة في الداخل بشأن طريقة إدارة الحرب، التعامل مع ملف الأسرى، والسياسات التي تلت نهاية المعارك المكثفة في غزة، ما يعكس انقسامات عميقة حول رؤية الدولة لمستقبل أمنها القومي ومنطقة غزة تحديداً.
ويرى محللون أن الاحتقان الحالي حول لجنة إدارة غزة يعكس أزمة أوسع في السياسة الإسرائيلية، تمتد إلى إعادة تعريف دور الدولة في ملف ما بعد الحرب، والتحكّم في مسار إعادة الإعمار، وتحديد أولويات الأمن والسيادة. ويُعد هذا الخلاف مؤشرًا واضحًا على أن المرحلة الحالية هي مرحلة انتقالية حساسة للغاية، قد تحدد مسار العلاقات الإسرائيلية–الأميركية وربما الاستقرار الإقليمي في الأشهر المقبلة.
ومن منظور دولي، يأخذ العديد من المراقبين في الاعتبار أن التنسيق الشرطي بين تل أبيب وواشنطن في إدارة شؤون غزة قد يؤثر على التعاون الأمني الاستراتيجي الأوسع بين البلدين، وهو تعاون لطالما اعتُبر ركيزة في العلاقات بينهما منذ عقود. وقد يؤدي استمرار التوتر وفقدان الثقة في هذا الملف إلى تراجع الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل في بعض الملفات الحساسة، خصوصًا إذا ما رأت إدارة الولايات المتحدة أن سياسات الحكومة الإسرائيلية تعرقل تنفيذ اتفاقيات أوسع في المنطقة.
أزمة لجنة إدارة غزة التي فجّرت خلافات داخل إسرائيل، ليست مجرد نزاع سياسي عابر، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة ملفات ما بعد الحرب، والتعامل مع ضغوط حليفتها الكبرى، وإعادة بناء استراتيجياتها تجاه الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. ومع تزايد الضغوط الإنسانية والسياسية، تبدو إسرائيل أمام مفترق طرق قد يعيد تشكيل أولوياتها الداخلية والخارجية في وقت حرج للغاية.


