كتب : دينا كمال
ابتكار رئة بشرية مصغرة لمحاكاة الأمراض واختبار الأدوية
حقق فريق من العلماء إنجازًا طبيًا بارزًا بعد نجاحه في تطوير نموذج مصغر للرئة البشرية اعتمادًا على خلايا جذعية مأخوذة من شخص واحد فقط.
ولا يُعد هذا النموذج المتقدم مجرد تقنية مخبرية جديدة، بل يمثل خطوة واعدة نحو فهم أدق للأمراض التنفسية وتطوير علاجات مصممة خصيصًا لكل مريض.
ويقوم هذا الابتكار على فكرة جوهرية مفادها أن إنشاء نسخة مصغرة من رئة المريض داخل المختبر يتيح للباحثين دراسة كيفية تفاعلها مع الأمراض المختلفة، إضافة إلى اختبار فعالية الأدوية قبل استخدامها سريريًا.
وتمكن الفريق البحثي من تحويل الخلايا الجذعية لمتبرع واحد إلى جميع أنواع الخلايا الرئوية الأساسية، ما منح النموذج دقة عالية بفضل تطابق مكوناته البيولوجية واشتقاقها من مصدر وراثي واحد.
وأوضح الباحث الرئيسي، الدكتور ماكس غوتيريز، أن هذه التقنية تفتح المجال لأول مرة لدراسة الأمراض التنفسية بأسلوب شخصي، بدلًا من الاعتماد على نماذج عامة أو تجارب حيوانية لا تعكس بدقة تعقيد الرئة البشرية.
ويحاكي النموذج البيئة الدقيقة للحويصلات الهوائية، وهي الوحدات المسؤولة عن تبادل الغازات في الرئة وخط الدفاع الأول ضد الميكروبات المستنشقة، حيث تُرتب الخلايا على غشاء رقيق يشكل حاجزًا حيويًا مشابهًا للطبيعة.
ويمثل الإنجاز الأبرز قدرة الجهاز على تقليد حركة التنفس الحقيقية، من خلال تمدد وانقباض ثلاثي الأبعاد بشكل إيقاعي، ما يعكس سلوك الرئة الحية أثناء الشهيق والزفير.
ولاختبار كفاءة النموذج، أجرى العلماء محاكاة لعدوى السل عبر إدخال البكتيريا المسببة للمرض، لتُظهر النتائج قدرة النموذج على تمثيل المراحل المبكرة للعدوى بدقة لافتة.
وسُجلت التغيرات نفسها التي تظهر في الرئة المصابة، بدءًا من تجمع الخلايا المناعية وتكوين البؤر الالتهابية، وصولًا إلى تدهور الحاجز الواقي للحويصلات الهوائية بعد خمسة أيام، بما يتطابق مع الواقع المرضي.
وتبرز أهمية هذا الابتكار في إمكاناته التطبيقية الواسعة، إذ يمكن استخدامه لإنشاء نماذج رئوية لأشخاص لديهم استعداد وراثي أو يعانون من أمراض محددة، واختبار العلاجات المناسبة لهم مسبقًا، ما يقلل الاعتماد على التجارب الحيوانية.
وأشار أحد الباحثين المشاركين، الدكتور جاكسون لوك، إلى أن هذا النموذج يقدم بديلًا أكثر دقة وموثوقية للتجارب على الحيوانات، مع تجنب الفوارق البيولوجية الكبيرة بينها وبين البشر.
ويتطلع الفريق البحثي إلى توسيع استخدام النموذج لدراسة طيف واسع من الأمراض الرئوية، بما يشمل الالتهابات الفيروسية مثل الإنفلونزا وكوفيد-19، والأمراض المزمنة كالربو والتليف الرئوي، إضافة إلى أبحاث سرطان الرئة.
ويمثل هذا التطور نقلة نوعية في مفهوم الطب الشخصي، حيث يمكن تصميم العلاجات بناءً على استجابة رئة المريض المصغرة، ما يعزز فعالية العلاج ويحد من الآثار الجانبية.
ولا يقتصر هذا الإنجاز على الجانب التقني فحسب، بل يعكس تحولًا في فلسفة العلاج الطبي، من الاعتماد على تجارب عامة إلى نهج فردي أكثر أمانًا ودقة، يضع استجابة المريض في صدارة القرار العلاجي.


