كتب : دينا كمال
أزمة الطاقة تعيد تشكيل مستقبل مراكز البيانات
يدفع التوسع المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي شركات التكنولوجيا العالمية إلى إعادة النظر جذريًا في تصميم مراكز البيانات، بعدما تحولت هذه المنشآت كثيفة الاستهلاك للطاقة والمياه إلى نقطة ضغط تهدد استدامتها وقدرتها على تلبية الطلب المتنامي.
وتُعد مراكز البيانات الركيزة الأساسية للبنية الرقمية العالمية، إذ تقف خلف معظم الخدمات الإلكترونية المستخدمة يوميًا، إلا أن تصاعد أحمال الذكاء الاصطناعي يثير مخاوف متزايدة من وصول النموذج الحالي إلى مرحلة غير قابلة للاستمرار.
وترى رئيسة الذكاء الاصطناعي المؤسسي في إحدى كبرى شركات التكنولوجيا أن المعمارية التقليدية لمراكز البيانات لن تكون قادرة قريبًا على مواكبة متطلبات المستقبل، ما يفرض البحث عن حلول أكثر كفاءة وتوافقًا مع المعايير البيئية.
وكشف تقرير حديث حول «مركز بيانات المستقبل» أن غالبية مسؤولي تقنية المعلومات باتوا يفضلون الشركاء القادرين على خفض استهلاك الطاقة، في حين أقر أقل من نصفهم فقط بأن تصاميم مراكز البيانات الحالية تدعم أهداف الاستدامة.
وفي محاولة لمواجهة هذه التحديات، جرى تطوير تصورات غير تقليدية تشمل إنشاء مراكز بيانات تحت الأرض داخل أنفاق وملاجئ مهجورة، أو منشآت معلقة تعتمد على الطاقة الشمسية بشكل مستمر.
ومن بين الأفكار المطروحة مفهوم «قرى البيانات»، حيث تُوزع الخوادم في وحدات قريبة من المدن، مع إعادة استخدام الحرارة الناتجة لتدفئة المنازل أو المؤسسات التعليمية، إلى جانب فكرة «سبا مراكز البيانات» التي تستغل الحرارة الفائضة في مرافق رفاهية ثم تعيد توظيفها في أنظمة التبريد.
ورغم طموح هذه الرؤى، تشير التقديرات إلى أنها لن تصبح قابلة للتطبيق على نطاق واسع قبل عام 2055، نتيجة التحديات التنظيمية وارتفاع التكلفة وتعقيد الهندسة، فضلًا عن القيود القانونية وقابلية التوسع.
ويؤكد محللون أن تبني هذه الحلول سيختلف من منطقة إلى أخرى، إذ تميل بعض الدول إلى إنشاء مجمعات ضخمة عالية الكثافة، بينما تواجه مناطق أخرى قيودًا أشد بسبب ضغط شبكات الكهرباء وتشدد القوانين البيئية.
وفي سياق متصل، لم يعد الابتكار في هذا المجال جديدًا، حيث جرى في السنوات الماضية اختبار مراكز بيانات مغمورة تحت البحر للاستفادة من التبريد الطبيعي، كما استُخدمت الحرارة الفائضة من مراكز بيانات لتدفئة مرافق عامة.
ومع تفاقم أزمة الطاقة على الأرض، تتجه الأنظار إلى الفضاء، حيث تعمل شركات كبرى وأخرى ناشئة على تطوير مراكز بيانات مدارية تعتمد على الطاقة الشمسية، رغم أن التكلفة المرتفعة لإطلاق المعدات لا تزال تمثل العائق الأكبر في المدى القريب.
ويرى خبراء أن مستقبل مراكز البيانات يجب أن يقوم على التعايش مع المجتمعات المحيطة، عبر إعادة توظيف الطاقة والحرارة بدل استنزاف الموارد، إلى جانب تحسين الشكل المعماري لهذه المنشآت.
ويجمع مختصون على أن تحقيق هذا التحول يتطلب تعديلات تنظيمية واستثمارات ضخمة في شبكات الكهرباء والطاقة المتجددة، مؤكدين أن مجرد تحديث المراكز الحالية لن يكون كافيًا، بل يحتاج القطاع إلى تفكير خارج الأطر التقليدية يوازن بين البيئة والربحية.


