كتب : يسرا عبدالعظيم
النمسا تواجه أصعب لحظاتها الاقتصادية في الربع الأول من القرن الحالي
تشهد النمسا واحدة من أكثر الفترات الاقتصادية صعوبة في تاريخها الحديث، حيث دخلت في أطول فترة ركود منذ العقد الأول من الألفية. على مدار العامين الماضيين، سجّلت البلاد نموًا سلبيًا مستمرًا، مما يعكس التحديات العميقة التي تواجه الاقتصاد النمساوي. ويرجع خبراء دوليون هذه الأزمة إلى عدة عوامل، أبرزها الترابط الوثيق بين الاقتصاد النمساوي والأسواق الألمانية، التي تعاني بدورها من أزمات اقتصادية حادة.
أسباب الركود الاقتصادي في النمسا
1. *الأزمة الاقتصادية الألمانية*: تعتبر ألمانيا الشريك التجاري الأكبر للنمسا، ومع الانكماش الكبير الذي شهدته ألمانيا في 2023 و2024، تأثرت الصادرات النمساوية بشكل كبير. انخفاض الطلب الألماني على المنتجات النمساوية تسبب في تراجع النشاط الصناعي بنسبة 9% خلال الربع الثاني من 2024 .
2. *ارتفاع تكاليف الطاقة*: تأثرت النمسا بارتفاع أسعار الطاقة على المستوى الأوروبي، مما زاد من أعباء الصناعات الثقيلة والطاقة المكثفة مثل صناعة المعادن والورق والزجاج. هذه القطاعات شهدت تراجعًا في الإنتاج بنسبة تجاوزت 13% مقارنة بالسنوات السابقة ² ³.
3. *ضعف الاستثمار المحلي*: بسبب ارتفاع تكاليف الاقتراض وتراجع الثقة الاقتصادية، انخفضت الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية والبنية التحتية، ما أدى إلى استمرار الركود في قطاعي التصنيع والبناء .
4. *ارتفاع التضخم*: رغم التراجع التدريجي في معدلات التضخم، إلا أن ارتفاع الأسعار في السنوات السابقة أثّر على القوة الشرائية للأسر، مما أدى إلى تراجع الاستهلاك الخاص، وهو أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي .
التحديات المشتركة مع ألمانيا
تعاني ألمانيا، القوة الاقتصادية الأكبر في أوروبا، من أزمات هيكلية متعددة، أبرزها ارتفاع تكاليف الطاقة بعد التخلي عن الغاز الروسي، وضعف الطلب على الصادرات، وتباطؤ في القطاع الصناعي. هذه العوامل انعكست بشكل مباشر على النمسا نظرًا للترابط الاقتصادي الوثيق بين البلدين، حيث تمثل ألمانيا السوق الأكبر للصادرات النمساوية .
محاولات التعافي
رغم الأوضاع الصعبة، أظهرت بعض المؤشرات الاقتصادية في النمسا بوادر تعافٍ تدريجي. على سبيل المثال:
– *تحسن طفيف في الاستهلاك الخاص*: مدفوعًا بانخفاض معدلات التضخم إلى 3.4% بحلول منتصف 2024، مما دعم القوة الشرائية للأسر .
– *استقرار سوق العمل*: رغم ارتفاع معدلات البطالة إلى 7.3% في 2025، إلا أن نسبة التوظيف في قطاعات الخدمات والتعليم والرعاية الصحية بقيت مرتفعة نسبيًا، مما ساعد في تقليل حدة الأزمة .
– *الإصلاحات الحكومية*: تبنت الحكومة النمساوية سياسات لتخفيف التضخم، مثل تحديد سقف لزيادات الإيجارات، مما ساهم في تقليل الضغوط على الأسر .
التوقعات المستقبلية
يتوقع الخبراء أن تبدأ النمسا في الخروج التدريجي من الركود بحلول منتصف 2025، مدفوعة بتحسن الطلب في الأسواق الأوروبية، خاصة مع تعافي الاقتصاد الألماني. ومع ذلك، تبقى التحديات الهيكلية مثل ارتفاع تكاليف الطاقة وضعف الاستثمار تحديات طويلة الأمد قد تعرقل النمو المستدام .
، تعكس الأزمة الاقتصادية التي تمر بها النمسا أهمية الترابط الاقتصادي بين الدول الأوروبية، خاصة بين دول الجوار. ورغم أن المستقبل يحمل بوادر تعافٍ، إلا أن المضي قدمًا يتطلب إصلاحات هيكلية جذرية لمواجهة التحديات الاقتصادية الراهنة وضمان استدامة النمو.


