كتب : دينا كمال
تحوّل جديد في خطاب القاعدة يكشف طموحات سياسية بمالي
يؤكد مراقبون أن البيان الأخير الصادر عن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، الذراع الإقليمي لتنظيم القاعدة في غرب إفريقيا، يعكس منعطفاً جديداً في خطابها، بعدما جاء بصيغة سياسية واضحة تضمنت تحذيراً لتركيا ودعوة لانتفاضة شعبية في العاصمة المالية باماكو ضد المجلس العسكري الحاكم.
ويُعد الخطاب، الذي جاء عقب أشهر من الحصار الاقتصادي الذي تفرضه الجماعة على باماكو، مؤشراً على تحول استراتيجي يوضح رغبتها في تقديم نفسها كقوة سياسية داخل المشهد في مالي.
لغة غير مسبوقة
أصدرت الجماعة وثيقة وصفت بأنها غير مسبوقة، اتهمت فيها الجيش المالي وقوات مجموعة “فاغنر” الروسية بارتكاب “مجازر” بحق المدنيين، وطالبت بتحقيق دولي حول هذه الانتهاكات.
وتضمن البيان دعوة لانتفاضة شعبية في باماكو وتأسيس “حكومة إسلامية”، إلى جانب رسالة مباشرة لتركيا تطالبها بـ”التوقف عن دعم قتلة الأطفال والنساء”، في إشارة إلى تزويد الجيش المالي بطائرات مسيّرة.
وشدد التنظيم على أنه “مستمر في مسالمة من سالمهم والكف عمّن كفّ عنهم”، في محاولة لرسم صورة جديدة لنفسه كجماعة قادرة على التعامل السياسي مع مختلف الأطراف المحلية والخارجية.
الجماعة تطرح نفسها كسلطة بديلة
ويرى مراقبون أن الجماعة باتت تعتبر نفسها طرفاً رئيسياً في الصراع و”سلطة بديلة” قادرة على إصدار بيانات سياسية موجّهة للداخل والخارج، في خطوة تعكس تغيراً ملحوظاً في استراتيجيتها الحالية.
ويعتقد خبراء أن هذا التحول قد يمهّد لمرحلة جديدة من الصراع المالي، مع سعي الجماعة للانتقال من العمل المسلح إلى تقديم نفسها ككيان سياسي يبحث عن شرعية على الأرض.
ترويج سياسي واستعداد للتفاوض
ويصف أستاذ العلوم السياسية بجامعة باماكو، محمد أغ إسماعيل، بيان الجماعة بأنه “ترويج سياسي واضح”، موضحاً أنها بدأت منذ العام الماضي في تغيير نهجها لاستمالة المواطنين عبر الظهور بمظهر جماعة سياسية لا تنظيم متشدد.
ويشير أغ إسماعيل إلى أن الجماعة تعمل على تحسين علاقاتها داخلياً وخارجياً استعداداً لأي مفاوضات سياسية محتملة، وقد غيّرت لون علمها من الأسود إلى الأبيض، وبدأت في تجنيد عناصر من مختلف المكونات العرقية في مالي.
وأضاف أن تحركات الجماعة تهدف إلى تمهيد الطريق لمشاركتها في الحكم مستقبلاً من خلال خلق توترات مع النظام الحالي، مع الرهان على انتفاضة شعبية قد تنتج نظاماً يقبل التفاوض معها، رغم أن الشارع في باماكو يبدي رفضاً واضحاً للفكر المتطرف.
كما يوضح أن المؤتمرات الوطنية السابقة في مالي أوصت بإجراء حوار مع الجماعات المسلحة المحلية، وعلى رأسها إياد أغ غالي وأمادو كوفا، لكنه يؤكد أن مشاركة الجماعة مستقبلاً في السلطة تتطلب فك ارتباطها بتنظيم القاعدة والحصول على ضمانات داخلية ودولية، إلى جانب التوافق على دور القضاء الإسلامي في بعض المناطق.
رسائل موجهة لتركيا والفاعلين الإقليميين
وفي خطوة لافتة، وجهت الجماعة رسالة مباشرة إلى تركيا، مطالبة بوقف دعم الطائرات المسيّرة التي حصل عليها الجيش المالي، والتي لعبت دوراً مؤثراً في العمليات العسكرية ضد الجماعات المتشددة.
ويقول محللون إن هذه الرسالة تهدف إلى إضعاف موقف باماكو وحلفائها، خاصة في ظل استمرار الحصار الاقتصادي على العاصمة.
وفي السياق ذاته، يرى محللون مختصون في شؤون إفريقيا أن البيان يعكس تحوّلاً جذرياً في استراتيجية الجماعة، إذ باتت تقدم نفسها كبديل سياسي محتمل للنظام القائم، وتسعى لتوسيع تحالفاتها وكسب معارضي السلطة الحالية عبر طرح نفسها كطرف قادر على فرض الاستقرار تحت مظلة الشريعة الإسلامية.


