كتب : بقلم: د. سلوى زكي أحمد
من الجمارك إلى المقاتلات والذكاء الاصطناعي.. هل بدأت مصر كتابة فصل جديد مع الصين؟
هناك زيارات رئاسية تمرّ مثل غيرها من الزيارات، وهناك زيارات تبدو وكأنها تعيد ترتيب قطع الشطرنج على رقعة أكبر من حدود البلدين.
زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر في 1 و2 سبتمبر 2026 تنتمي إلى النوع الثاني.
فالمشهد لم يكن مجرد استقبال رئيس دولة كبرى في القاهرة، ولا مجرد احتفال بمرور 70 عامًا على العلاقات المصرية الصينية؛ فالبيان المشترك الذي صدر في ختام الزيارة وضع أمام مصر والصين خريطة واسعة تمتد من الاقتصاد والتجارة والتصنيع والطاقة إلى الذكاء الاصطناعي والفضاء والأمن السيبراني، وصولًا إلى التنسيق السياسي
والسؤال الحقيقي هنا ليس: ماذا وقّعت مصر والصين؟
بل: ماذا يمكن أن يتغير بعد هذه الزيارة؟
القصة بدأت من الجمارك
ربما يبدو خبر إعفاء الصادرات المصرية من الرسوم الجمركية الصينية تفصيلًا اقتصاديًا، لكنه في الحقيقة قد يكون واحدًا من أهم مفاتيح المرحلة المقبلة.
فمنذ الأول من مايو 2026 بدأت الصين تطبيق إعفاء جمركي كامل على واردات من دول أفريقية، ومن بينها مصر، لمدة عامين. وفي النصف الأول من 2026 قفزت الصادرات المصرية إلى الصين إلى نحو 840.8 مليون دولار، مقابل 280.5 مليون دولار في الفترة نفسها من العام السابق، بزيادة تقارب 200%.
وهنا تبدأ المعركة الحقيقية.
هل تستطيع مصر أن تحول الإعفاء الجمركي من خبر سعيد إلى ماكينة تصدير؟
الصين لا تحتاج فقط إلى أن تبيع لمصر؛ مصر تريد أن تبيع للصين.
وهذا هو التحول الأهم.
فالبيان المشترك تحدث صراحة عن العمل لتحقيق مزيد من التوازن في الميزان التجاري، وتشجيع دخول مزيد من المنتجات المصرية إلى السوق الصينية، مع استمرار التشاور بشأن اتفاقية «الحصاد المبكر».
أي أن القاهرة لا تريد أن تكون مجرد سوق للمنتجات الصينية، وإنما تريد أن تصبح جزءًا من سلسلة الإنتاج والتصدير الصينية إلى العالم.
وهنا تظهر قناة السويس
عندما تتحدث مصر والصين عن تطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، فإننا لا نتحدث فقط عن مصانع جديدة.
نحن نتحدث عن موقع يمكن أن يتحول إلى منصة تصنيع وتصدير بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
والبيان المصري الصيني وضع ضمن الأولويات توطين صناعات مثل السيارات الكهربائية، وبناء السفن، والطاقة المتجددة، وتحلية مياه البحر، إلى جانب مراكز البيانات والحوسبة السحابية وأشباه الموصلات والأمن السيبراني وتطبيقات الفضاء والاستشعار عن بعد.
وهنا يمكن أن يكون أخطر ما في الزيارة لم يُشاهد في الصور أصلًا:
ليس المصنع الذي سيُفتتح غدًا، وإنما نوع الاقتصاد الذي يجري التفكير في بنائه خلال السنوات المقبلة.
الصين لا تبيع لمصر فقط.. ربما تريد أن تصنع معها
هذه نقطة شديدة الأهمية.
إذا نجحت مصر في الانتقال من استيراد المنتج الصيني إلى تصنيع المنتج بالشراكة مع الصين داخل مصر، فإن المعادلة الاقتصادية تتغير بالكامل.
سيصبح لدينا:
استثمار صيني + عمالة مصرية + سوق أفريقية + موقع لوجستي عالمي + قناة السويس = منتج مصري قابل للتصدير.
وهذه هي المعادلة التي يمكن أن تجعل القاهرة أكثر أهمية بالنسبة إلى بكين من مجرد كونها سوقًا استهلاكية كبيرة.
والبيان نفسه يتحدث عن تحويل مصر إلى مركز إقليمي للصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي يربط آسيا بأفريقيا وأوروبا.
لكن المفاجأة ليست اقتصادية فقط
في الوقت الذي كانت فيه القاهرة تستقبل الرئيس الصيني، كانت القوات الجوية المصرية والصينية تنفذ التدريب الجوي المشترك «نسور الحضارة 2026»، بمشاركة طائرات مقاتلة متعددة المهام، وتدريبات على إدارة القتال الجوي والتزود بالوقود في الجو.
وهنا ظهرت عشرات العناوين التي ذهبت أبعد من المعلن، وتحدث بعضها عن احتمال دخول مقاتلات صينية متقدمة إلى الخدمة المصرية.
لكن حتى الآن لا ينبغي تحويل التكهنات إلى صفقات مؤكدة.
ما هو مؤكد هو أن التعاون العسكري المصري الصيني أصبح أكثر وضوحًا، وأن المناورات تفتح بابًا لتبادل الخبرات والتدريب والتكنولوجيا.
أما ما قد يأتي بعد ذلك، فهو سؤال مفتوح.
وقد يكون هذا تحديدًا أحد الملفات التي ستظل تفاصيلها بعيدة عن الأضواء حتى تتبلور قراراتها النهائية.
هل يعني ذلك أن مصر تختار الصين بدلًا من أمريكا؟
ليس بهذه البساطة.
القاهرة تبدو أقرب إلى سياسة تنويع الشراكات وليس استبدال حليف بحليف.
مصر تستطيع أن تتعاون مع الصين في التكنولوجيا والصناعة والطاقة والدفاع، وفي الوقت نفسه تحتفظ بعلاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج وروسيا وغيرها.
وهذا يمنح القاهرة ورقة تفاوض أكبر:
كلما تعددت البدائل، ارتفعت القدرة على التفاوض.
ولذلك فإن قراءة العلاقة المصرية الصينية باعتبارها «محورًا ضد محور» قد تكون قراءة سطحية.
الأقرب أن مصر تحاول بناء شبكة مصالح متعددة تسمح لها بالحصول على التكنولوجيا والاستثمار والأسواق دون الارتهان الكامل لطرف واحد.
والعملة أيضًا دخلت اللعبة
واحدة من أكثر النقاط التي تستحق التوقف في البيان المشترك هي الاتفاق على تجديد اتفاقية مبادلة العملات وزيادة قيمتها، إلى جانب تشجيع استخدام العملات المحلية في التجارة والاستثمار.
وهذا ليس مجرد إجراء مصرفي.
فكلما زاد استخدام العملات المحلية في التجارة، أمكن تقليل جزء من الحاجة إلى العملات الأجنبية في تسوية بعض المعاملات الثنائية.
ومن هنا يمكن أن يصبح التعاون المصري الصيني جزءًا من اتجاه عالمأوسع نحو تنويع أدوات التجارة والتمويل بعيدًا عن الاعتماد على عملة واحدة.
أما الملف الذي قد يفاجئ الجميع فهو التكنولوجيا
السياسة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تبدأ بالدبابات وتنتهي بالطائرات.
المعركة الحقيقية أصبحت في:
البيانات.. الذكاء الاصطناعي.. أشباه الموصلات.. مراكز البيانات.. الأمن السيبراني.. الأقمار الصناعية.
وهذه الملفات وردت بوضوح في البيان المصري الصيني.
والأهم أن التعاون لم يعد مطروحًا فقط باعتباره شراء تكنولوجيا، وإنما نقل خبرات وبناء قدرات بشرية وتوسيع التصنيع المحلي.
وهنا يمكن أن يكون السؤال الأخطر:
هل تستعد مصر لأن تصبح مستخدمًا للتكنولوجيا الصينية، أم شريكًا في إنتاجها وتطويرها؟
الفرق بين الاثنين هو الفرق بين دولة تشتري المستقبل ودولة تحاول أن تصنع جزءًا منه.
ومن السودان إلى غزة.. الاقتصاد لا ينفصل عن السياسة
الزيارة لم تكن اقتصادية بحتة.
البيان المشترك أكد التنسيق السياسي والأمني، وتناول القضية الفلسطينية، ورفض تهجير الفلسطينيين، وضرورة تثبيت وقف إطلاق النار وتسهيل المساعدات، كما تناول السودان والقرن الأفريقي وأمن البحر الأحمر.
وهنا تتضح قيمة مصر بالنسبة للصين.
مصر ليست فقط دولة عربية كبيرة.
إنها دولة تملك قناة السويس، وتطل على البحرين المتوسط والأحمر، ولها تأثير مباشر في ملفات غزة والسودان والقرن الأفريقي، وتقع في نقطة تربط آسيا بأفريقيا وأوروبا.
ومن وجهة النظر الصينية، هذه ليست جغرافيا فقط.
هذه جغرافيا استراتيجية.
ما الذي لم يُقل؟
هنا يجب أن نفرق بين الحقيقة والتحليل.
البيانات الرسمية لا تكشف كل ما يدور في الغرف المغلقة، ولذلك لا يمكن الجزم بأن صفقة بعينها قد تمت أو أن قرارًا عسكريًا أو اقتصاديًا سريًا اتُخذ.
لكن يمكن قراءة الاتجاه.
والاتجاه يقول إن العلاقة المصرية الصينية تتحرك من:
تجارة → استثمار → تصنيع → تكنولوجيا → تمويل → أمن → تنسيق سياسي.
وهذا تطور أكبر بكثير من مجرد زيارة بروتوكولية.
والدليل أن الرئيس الصيني وجه في نهاية الزيارة دعوة للرئيس السيسي لزيارة الصين، وقد قبلها الرئيس المصري.
القادم قد يكون أهم من الزيارة نفسها
الاختبار الحقيقي يبدأ الآن.
هل تتحول الإعفاءات الجمركية إلى صادرات مصرية ضخمة؟
هل تتحول الاستثمارات الصينية إلى مصانع حقيقية؟
هل تصبح قناة السويس مركزًا لصناعات صينية موجهة لأفريقيا وأوروبا؟
هل نرى توسعًا حقيقيًا في السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية ومراكز البيانات؟
هل ينتقل التعاون التكنولوجي من شراء المعدات إلى توطين المعرفة؟
وهل يتوسع التعاون العسكري إلى مستويات جديدة؟
كلها أسئلة لم تُحسم بالكامل بعد.
لكن المؤكد أن القاهرة وبكين وضعتا على الطاولة مشروعًأكبر من مجرد علاقة تجارية.
مشروعًا يمكن أن يجعل مصر خلال السنوات المقبلة واحدة من أهم نقاط الالتقاء بين رأس المال الصيني، والأسواق الأفريقية، والطاقة، واللوجستيات، والتكنولوجيا.
وفي النهاية، ربما تكون العبارة الأهم هي:
الصين لا تأتي إلى مصر فقط لكي تبيعها منتجاتها.. ومصر لا تريد فقط أن تفتح أبوابها للصين.
المعركة الحقيقية هي:
من سيصنع مع الآخر المستقبل؟
وهنا تحديدًا تبدأ قصة الزيارة التي قد نكتشف بعد سنوات أن أهم ما فيها لم يكن ما قيل أمام الكاميرات… وإنما ما بدأ تنفيذه بعدها.

