كتب : محسن علي / باحث وناقد سوري
الصحافة كجسر
لم تكن “زحلة الفتاة” مجرّد صحيفة تصدر في زحلة، كانت صحيفة عن زحلة ولأهل زحلة. هذا الفارق جوهريّ. هي لم
تخبر سكان المدينة فقط بما يدور في العالم، أوجدت قنوات تواصل بين الزحليّين في الداخل وإخوانهم في
المهجر. سجّلت أسماء المغتربين الذين نجحوا، ووثّقت كيف كانت أموالهم تصل إلى زحلة، وكيف أسهمت في
بنائها المادي والثقافي، من ترميم الكنائس إلى تسقيف البيوت بالقرميد.
هذه الوظيفة الجسريّة جعلت من الجريدة مؤسّسة هويّة بامتياز. في زمن لم تكن فيه وسائل التواصل متاحة، كانت
“زحلة الفتاة” هي الخيط الذي يربط أبناء المدينة الواحدة أينما حلّوا. وهذا ما يفسّر استمرارها لنحو 110 أعوام،
وتجاوزها لحروب وأزمات كادت تطمس مدنًا بأكملها.
في عصر تتصارع فيه الصحافة الورقيّة مع الرقمية، وتتسارع فيه وتيرة الأخبار لدرجة فقدان العمق، تعود إلينا
قصّة “زحلة الفتاة” كدرس في الصحافة كرسالة لا مجرّد سلعة. أثبتت هذه التجربة أن الصحافة المحلّيّة، حين تكون
جادّة وعميقة وموصولة بهموم مجتمعها، يمكنها أن تصمد لعقود، وأن تتحوّل إلى ذاكرة حيّة لأمّة.
اليوم، وبفضل جهود بلديّة زحلة في حفظ هذا الأرشيف وترميمه ورقمنته، أصبحت المادة متاحة للباحثين. لم تكن
الأبعاد الفلسفية لافتتاحيّات شكري البخّاش، ولا الدور الريادي للجريدة في ربط زحلة بالمهجر، ولا تفاصيل الحياة
الاقتصادية اليوميّة لمدينة البقاع، لتنكشف لولا أن هذا الأرشيف بقي حيًّا في موطنه الأصليّ.
تبقى “زحلة الفتاة” شاهدًا على أن النهضة العربية لم تكن حكرًا على العواصم الكبرى، وأن الصحافة، حين تؤدّي
دورها النبيل، يمكنها أن تصنع تاريخًا يحفظ للأجيال قصص مدن بأكملها، بأفراحها وأحزانها، بهجراتها وعودتها.

