كتب : د. سهير بنت سند المهندي
هرمز… حين يضيق البحر وتتسع أسئلة العالم
ليست أخطر لحظات التاريخ تلك التي ترتفع فيها أصوات المدافع، بل تلك التي يعتاد فيها العالم
سماعها. هذا ما توحي به عناوين الصحافة الدولية اليوم وهي تتابع مضيق هرمز: ناقلة تُصاب، وقوى
إقليمية تبحث عن مخرج، ومفاوضات بين إيران وعُمان تحاول أن تفتح في جدار الحرب نافذة ضيقة للعبور.
قد يبدو المضيق خطًا صغيرا على الخريطة، لكنه في الحقيقة شريان يسري في مطابخ الناس
ومصانع الدول وأسعار الأسواق. ففي الربع الأخير من عام 2025 كان يعبره نحو 21.6 مليون برميل من
النفط يوميًا، ثم هبط التدفق إلى 4.9 ملايين فقط في الربع الثاني من 2026. أما الغاز الطبيعي
المسال فتراجع من 10.5 مليارات قدم مكعبة يوميًا إلى 0.8 مليار. هذه ليست أرقامًا باردة؛ إنها
فواتير كهرباء، وكلفة نقل، وأسعار غذاء، وفرص عمل تتأثر في قارات بعيدة عن صوت الانفجار.
وفي قلب المشهد، برزت مساعٍ إيرانية ـ عُمانية لإدارة الملاحة تدريجيًا، وتأمين ممر مؤقت، وإزالة
الألغام، مع حديث إيراني عن تقاسم العائدات ومنع السفن العسكرية. وبينما تتحرك قطر وباكستان
لخفض التصعيد، تقف واشنطن متحفظة أمام صيغة قد تعيد تعريف من يملك حق الحراسة، ومن
يفرض شروط المرور، ومن يكتب قواعد البحر.
هنا تتجاوز الأزمة حدود النفط. فالسؤال الحقيقي ليس: متى تعبر السفن؟ بل: أي نظام إقليمي
سيعبر معها؟ هل يبقى أمن الخليج رهينة ميزان القوة بين واشنطن وطهران، أم يصبح ثمرة تفاهم
تشارك فيه دول المنطقة، وتحميه قواعد القانون الدولي وحرية الملاحة؟
ولأن الخليج ليس منصة نفط عائمة، بل بيوتًا ومدارس ومدنًا تحلم بمستقبل آمن، فإن أي
تسوية لا تقيس أثرها على الإنسان تبقى هدنة بين البنادق لا سلامًا بين الدول. العامل الذي يخشى
فقد وظيفته، والأم التي تراقب ارتفاع الأسعار، والطالب الذي ينتظر رحلة مؤجلة، جميعهم أطراف
صامتة في هذه الأزمة. لذلك فإن مسؤولية القوى الكبرى لا تبدأ بحماية الناقلات وحدها، بل بحماية
الحياة التي تقف خلف كل ناقلة، في الشرق والغرب على السواء.
لقد علّمنا التاريخ أن الممرات البحرية لا تُغلق وحدها؛ حين تضيق، تضيق معها السياسة. أزمة
السويس عام 1956 لم تكن نزاعًا على قناة فحسب، بل إعلانًا عن أفول إمبراطوريتين وصعود قوتين.
وهرمز اليوم قد يحمل الدلالة نفسها: عالم قديم يحتفظ بأساطيله، وعالم جديد يطالب بمقعده،
ودول خليجية تدرك أن الجغرافيا التي منحتها الثروة قد تجعلها أيضًا أول من يدفع فاتورة الصراع.
الدبلوماسية الجارية ليست علامة ضعف، بل امتحان نضج. فالمنتصر الحقيقي لن يكون من
يرفع رايته فوق الماء، وإنما من يعيد السفن من دون أن يغرق سيادة الدول أو كرامة الشعوب.
المطلوب اتفاق واضح، برقابة وضمانات دولية، يفصل أمن الملاحة عن الابتزاز السياسي، ويفتح بابًا لتسوية أوسع توقف الحرب.
في السياسة، قد تكفي شرارة لإغلاق مضيق، لكن فتحه يحتاج إلى شجاعة أكبر من إطلاق النار.
والعالم اليوم لا يحتاج بطلًا جديدًا للحرب؛ بل يحتاج عاقلًا يذكّر الجميع بأن البحار خُلقت لتصل بين
الشعوب، لا لتفصل بينها، وأن أضيق نقطة على الخريطة قد تكون أوسع فرصة للسلام.
بقلم: د. سهير بنت سند المهندي …اعلامية وباحثة اكاديمية

