كتب : بقلم: الدكتورة سهير بنت سند المهندي
الدول الصغيرة لا ينقصها الحجم… بل تحتاج إلى فائضٍ من الذكاء السياسي
على خرائط العالم تبدو بعض الدول كأنها نقطة صغيرة عند حافة بحر، أو مساحة ضيقة بين جيران كبار. غير أن الخرائط،
على دقتها، لا تخبرنا بكل شيء؛ فهي تقيس الأرض، لكنها لا تقيس وزن الفكرة، ولا قدرة القرار، ولا المسافة التي
يبلغها صوت دولة عرفت كيف تحوّل موقعها من هامش جغرافي إلى مركز سياسي.
قديمًا، كانت القوة تُقرأ بعدد الجنود واتساع الحدود وحجم الموارد، أما اليوم، فقد تبدلت أدواتها؛ فميناء آمن، أو
مركز مالي موثوق، أو بنية رقمية متقدمة، أو وساطة تنقذ مفاوضات متعثرة، قد تمنح دولة صغيرة تأثيرًا لا
تمنحه المساحة وحدها، ولم يعد السؤال: كم تبلغ مساحة الدولة؟ بل: ما الذي لا يستطيع الآخرون إنجازه من دونها؟
سنغافورة تقدم نموذجًا دالًا؛ فمساحتها بلغت نحو 744 كيلومترًا مربعًا في نهاية 2025، وسكانها قرابة 6.11
ملايين نسمة، لكنها صنعت ثقلًا يتجاوز الجغرافيا عبر التجارة والموانئ والتعليم والانضباط المؤسسي، لم
توسع حدودها، بل وسعت الحاجة الدولية إليها، وكأنها أدركت مبكرًا أن الدولة الصغيرة تكبر كلما أصبحت عقدة لا
يمكن تجاوزها في شبكة العالم.
وفي المجال الرقمي، أعلنت إستونيا أن خدماتها الحكومية أصبحت رقمية بنسبة 100% منذ ديسمبر 2024
أما البحرين، فقد جاءت ثانية إقليميًا واحتلت المرتبة الخامسة عشرة عالميًا بين 197 دولة في مؤشر نضج
التكنولوجيا الحكومية لعام 2025، هنا لا يصبح الرقم زينةً في تقرير، بل دليلًا على أن الاستثمار في الكفاءة والبيانات
وجودة الخدمة يستطيع تحويل محدودية الموارد إلى سرعة ومرونة.
وتقدم قطر نموذجًا مختلفًا يقوم على ” دبلوماسية المجال المتخصص” ؛ إذ جعلت الوساطة قناةً لحضورها في
ملفات امتدت من أفغانستان وغزة إلى الكونغو، ليست الوساطة بديلًا عن القوة، لكنها طريقة ذكية لصناعة
قيمة سياسية يحتاجها المتخاصمون حين تضيق بينهم مساحات الكلام.
ومع ذلك، لا يجوز أن تتحول هذه النماذج إلى وصفات جاهزة، فلكل دولة مواردها وموقعها وظروفها، وبعض
النجاحات يستند إلى ثروة أو حماية أو لحظة دولية مواتية، كما أن صغر الدولة يجعلها أكثر تعرضًا لاضطراب التجارة
والطاقة والغذاء وضغوط القوى الكبرى؛ ولذلك فالخطأ الذي تمتصه دولة كبيرة قد يصبح في دولة صغيرة أزمة وجودية.
الذكاء السياسي إذن ليس كثرة المناورات، بل وضوح المصلحة الوطنية: تنويع العلاقات دون ارتهان، والمرونة
دون تلون، والتمسك بالقانون الدولي دون عجز، وهو يبدأ من الداخل؛ من اقتصاد قادر على الاحتمال، ومؤسسات
موثوقة، وإنسان متعلم، لأن الدبلوماسية البارعة لا تستطيع طويلًا تعويض هشاشة البيت.
وفي المستقبل سيتسع الأمن ليشمل الماء والغذاء والفضاء السيبراني والذكاء الاصطناعي واستمرار
الخدمات، والدولة الأذكى ليست التي تنتظر الخطر عند حدودها، بل التي تراه وهو لا يزال احتمالًا وتحوله إلى
خطة، فالحجم قد يحدّ من الخيارات، لكنه لا يمنع حسن اختيارها أو توسيع أثرها.
إن الجغرافيا تمنح الدولة مكانًا، لكن الرؤية وحدها تمنحها المكانة، وقد تكون الدولة نقطة على الخريطة؛ غير أنها
حين تعرف قيمتها، وتبني ما يحتاجه العالم، تصبح علامة فارقة في تاريخه.
اعلامية وباحثة اكاديمية

