كتب : : د. سيما حقيقي
ويبقى… بعد العمر… عمر
أحيانا أفكر…
كم فكرةً عبرت هذا العالم ثم اختفت لأنها لم تجد من يحملها إلى الغد؟
وكم حلمًا عاش في قلب إنسانٍ سنواتٍ طويلة، ثم رحل معه كأنه لم يكن؟
وكم كلمةً كان يمكن أن تغيّر حياة أحدهم، لكنها ضاعت في زحام الأيام قبل أن تصل؟
وربما سبق إلى الرحيل من كان يحملها… قبل أن تجد طريقها إلى حياةٍ أخرى.
فنحن لا نعبر الحياة وحدنا… معنا أفكارٌ، وأحلامٌ، وأسئلةٌ، وتجاربُ، وحكاياتٌ لا يراها أحد.
منها ما يبهت مع الزمن. ومنها ما يظلّ عالقًا في الذاكرة. ومنها ما يجد طريقه إلى الآخرين بطريقةٍ لا نتوقعها.
وقد يبدأ الإنسان، في لحظةٍ من عمره، بالتساؤل عمّا سيواصل الحياة بعده.
ولهذا أتجاوز أحيانًا السؤال الذي شغلنا طويلًا:
ماذا نريد من الحياة؟
إلى سؤالٍ آخر أكثر هدوءًا… وأكثر عمقًا:
ماذا سنترك فيها؟
ثم تمضي الأعمار…
وفي مكانٍ ما من الطريق، تتبدّل أشياء كثيرة دون أن يشعر الإنسان بلحظة تغيّرها.
تتغيّر طريقة النظر. وتتغيّر الأسئلة. ويصبح لما كان يمرّ عابرًا… وزنٌ آخر.
الأماكن قد تكون هي نفسها… والوجوه نفسها…
الأيام التي كانت تبدو متشابهة… كلّها تستعيد معناها بطريقةٍ لم تكن مألوفة من قبل.
كأن العمر، مع السنوات، يمنح الإنسان عينًا أخرى.
عينًا ترى ما كانت تمرّ عنه سريعًا، وتلتقط ما كان يختبئ داخل التفاصيل الهادئة.
وحين يحدث ذلك…
تكتشف الروح، بهدوءٍ يشبه المصالحة، أن أجمل ما في الرحلة قد يكون ما امتدّ منّا ونحن نمضي فيها، أكثر مما وصلنا إليه.
ولعلّ أكثر ما يثير التأمل… أن الإنسان يعرف في الغالب ما أخذه من الحياة. فيتذكّر المدن التي زارها
والأحلام التي بلغها. والخيبات التي غيّرته. والوجوه التي عبرت أيامه.
أما ما تركه هو في الطريق… فنادرًا ما يلتفت إليه.
فيمضي… دون أن يدري أن كلمةً قالها على عجل، ما زالت تُطمئن قلبًا إلى اليوم.
وأن موقفًا ظنّه صغيرًا، ما زال يمنح أحدهم شجاعةً كلما ضاقت به الحياة.
وأن لحظةً عابرةً لم يعد يذكرها… ربما كانت بدايةً جديدةً في ذاكرة إنسانٍ آخر.
كأننا نعرف جيدًا ما غيّرنا…
بينما تبقى الأشياء التي غيّرناها في غيرنا، أبعد من أن تراها أعيننا.
ويمضي أثرنا في الآخرين من دون أن نعرف مداه.
فقد نقول كلمةً وننساها، بينما تبقى في قلب أحدهم سنوات.
وقد نمنح إنسانًا لحظةَ أمانٍ عابرة، فتتحول في ذاكرته إلى مكانٍ يعود إليه كلما ضاقت به الأيام.
وقد نصغي إلى حكايةٍ نظن أننا لم نفعل أمامها شيئًا، ثم يخرج صاحبها أخفَّ قليلًا؛
لأن قلبًا واحدًا منحه المساحة كي يقول ما أثقله طويلًا.
وقد نمدّ يدًا في وقتٍ حسبناه عاديًا، بينما كان أحدهم يقف عند حافةٍ لم نرها.
نحن نعرف ما قصدناه في تلك اللحظة…
ولكننا نجهل المسافة التي قطعها حضورنا بعدها.
تلك الآثار لا تُقاس بحجم ما فعلناه…
فأحيانًا، يكون أكثر ما يبقى منّا هو ما فعلناه بعفوية، وما منحناه بمحبة، وما قلناه من القلب من غير أن ننتظر له صدى.
وقد تعيش نظرةٌ أعادت إلى شخصٍ ثقته بنفسه، أو كلمةٌ حفظت له كرامته، أو لحظةُ حضورٍ خففت عنه وحدته، أطول بكثير مما عشنا نحن لحظتها.
فالأثر لا يولد دائمًا من الأعمال الكبيرة.
أحيانًا، يبدأ من تفصيلٍ صغير مرّ بنا سريعًا، ثم استقرّ في حياة إنسانٍ آخر كأنه جاء في موعده تمامًا.
ولهذا قد ينتهي الموقف في ذاكرتنا… ويبدأ في ذاكرة غيرنا.
وحين نتأمل ذلك أكثر… نكتشف أن ما يبقى من الإنسان لا يرتبط دائمًا بما كان يراه إنجازًا في حياته.
فالأثر لا ينمو بالضرورة في أكثر أعمالنا ظهوراً، وقد لا يسكن ما ظننّاه أعظم ما أنجزناه.
أحياناً … يختار مكانًا أكثر هدوءًا.
قد يبقى معلّمٌ في ذاكرة طالب، لأنّه رأى فيه ما لم يكن يراه في نفسه، وآمن بقدرته قبل أن يؤمن هو بها.
وتبقى أمٌّ في أبنائها من خلال أشياء ظنّتها يومًا عادية… في نبرة صوتها حين كانوا يخافون، وفي طريقتها في جعل البيت أكثر دفئًا، وفي ذلك الأمان الذي ظلّ يسكنهم حتى بعد أن ابتعدوا عن حضنها.
ويبقى صديقٌ من خلال موقفٍ حفظ فيه قلبًا من الانكسار، أو صمتٍ عرف فيه أن الحضور أصدق من الكلام.
ويبقى فنانٌ في لوحةٍ رسمها من وجعه، ثم وقفت أمامها روحٌ غريبة، وشعرت، للمرة الأولى، أن أحدًا رأى ما عجزت عن قوله.
وقد تعبر جملةٌ خطّها كاتبٌ ذات مساء سنواتٍ ومسافات، حتى تصل إلى قارئٍ كان يحتاجها في لحظةٍ بعينها
هكذا يمتدّ الإنسان خارج حدود عمره…
في فكرةٍ غرسها. وفي قيمةٍ عاشها. وفي شعورٍ تركه داخل قلبٍ آخر.
فالسنوات تحفظ زمن وجودنا…
أما ما منحناه للآخرين، فهو الذي يمنح ذلك الوجود معناه.
وربما لهذا، تتلاشى ملامح بعض الوجوه مع مرور الوقت، بينما يبقى الشعور الذي تركته فينا واضحًا
كأن القلب يحتفظ بما عجزت الذاكرة عن الاحتفاظ به.
فالحياة لا تسمح لأحدٍ أن يعبرها دون أن يترك فيها شيئًا.
فكلُّ لقاءٍ يترك أثرًا.
وكلُّ كلمةٍ تمضي أبعد ممّا نظن.
وكلُّ حضورٍ يضيف إلى قلبٍ ما شيئًا، أو يأخذ منه شيئًا.
ولهذا لا يعود السؤال: هل سأترك أثرًا؟
فالأثر يبدأ قبل أن ننتبه إليه… من أول كلمة. ومن أول نظرة. ومن أول موقفٍ جمعنا بإنسانٍ آخر.
فيصبح السؤال الذي يستحق التأمل حقًّا هو:
أيُّ أثرٍ سأترك؟
أيكون حضوري عبئًا يثقل الأرواح… أم فسحةً تتّسع بها؟
أيترك خوفًا جديدًا…
أم يترك في قلبٍ ما ما يكفي من الطمأنينة ليواصل الطريق؟
فهو يمتدّ، كلَّ يوم، في الكلمات التي يقولها، وفي المشاعر التي يوقظها، وفي الأثر الذي يتركه من غير أن يشعر.
وربما كانت أعظم مسؤولياتنا…
أن ننتبه لما نغرسه في القلوب، قبل أن ننشغل بما نكتبه في الذاكرة.
وقد لا نعرف أبدًا أين انتهت خطواتنا بعد أن غادرنا.
فالحياة لا تخبرنا أين استقرّت كلماتنا، ولا في أيِّ قلبٍ واصلت رحلتها، ولا أيُّ فكرةٍ بدأت منّا، ثم كبرت بعيدًا عن أعيننا.
ولهذا…
يشغلني ما سيبقى من عبوري أكثر مما يشغلني كيف سيحفظني الزمن…
وأن يبقى منه ما يستحق أن يعبر إلى غيري
فالأثر لا يبحث عمّن يتذكّره…
يكفيه أن يجد من يحمله،
فيمتدّ من عمرٍ إلى آخر،
ويواصل الحياة في أعمارٍ لا تنتهي…
ويبقى… بعد العمر… عُمْرٌ.

