كتب : د. غازي فيصل حسين/أستاذ العلاقات الدولية والتنمية السياسية
تفكيك البنية التحتية للفساد السياسي والمالي للجريمة المنظمة ومأزق الدولة في العراق
المقدمة
يواجه العراق الحديث تحدياً وجودباً يتجاوز حدود الأزمات السياسية التقليدية، حيث تحول الفساد المالي من سلوكيات فردية انحرافية إلى ظاهرة بنيوية متجذرة داخل مؤسسات الدولة. هذا التحول جعل الفساد يرتبط ارتباطاً وثيقاً بشبكات «الجريمة المنظمة العابرة للحدود»، والتي تشمل غسيل الأموال، وتهريب الأسلحة والنفط، وتجارة المخدرات. في ظل نظام المحاصصة القائم منذ عام 2003، تحولت المناصب السيادية إلى صفقات استثمارية، مما أدى إلى تغول قوى موازية عسكرياً واقتصادياً تهدد سيادة القانون والدستور. يطرح هذا الواقع تساؤلا جوهرياً حول مدى قدرة المؤسسات الحالية على تحقيق إصلاح جذري، أم أن العراق بحاجة إلى إجراءات استثنائية تعيد بناء الدولة من الأساس.
الفساد كبنية مؤسسية وعلاقته بالجريمة المنظمة
من المؤكد اليوم أننا لم نعد نتحدث عن حالات فساد فردية، بل عن فساد مؤسسي أصبح جزءاً من بنية النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي. الفساد المالي في البيئات المضطربة لا يتحرك منفصلاً، بل يندمج ضمن منظومة ما تصنفه الأمم المتحدة بـ «الجريمة المنظمة العابرة للحدود».
تشمل هذه المنظومة الخطيرة عدة ظواهر مترابطة:
1. غسيل (تبييض) الأموال: واختراق الحسابات المصرفية والأنظمة البنكية لسرقة الأموال.
2. الاقتصاد الموازي غير المشروع: مثل تجارة الأسلحة، وتهريب النفط، وتجارة المخدرات، والاتجار بالبشر.
3. السلع المقلدة والمزورة: وهي تجارة دولية ضخمة خارج نطاق القانون (حيث تشير تقديرات منذ التسعينيات إلى أن حجم التجارة الدولية المحرمة والمزورة يتجاوز 16 مليار دولار يومياً، وهو رقم تضاعف قطعاً في وقتنا الراهن).
وقد انتبه المجتمع الدولي مبكراً لهذه المخاطر، فصدرت «اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عام 2000» و«اتفاقية مكافحة الفساد عام 2003»، وانبثقت عنها مجموعة العمل المالي الدولية (FATF) التي تراقب حركة الأموال العابرة للحدود لمنع نشوء اقتصاد موازٍ يقع خارج سلطة القانون.
المحاصصة السياسية وتجارة المناصب
إن المشكلة في العراق أعمق من مجرد خلافات سياسية؛ إذ أدت المحاصصة الطائفية والسياسية إلى تأسيس «طبقات مالية» تحيط بالمناصب السيادية. لقد تحولت الانتخابات إلى سوق استثماري، حيث يُتداول في الكواليس أن المرشح لعضوية البرلمان قد يحتاج إلى تخصيص أو جذب تمويل يتراوح بين 4 إلى 5 ملايين دولار لتغطية تكاليف حملته الانتخابية.
هذا التمويل لا يأتي كعمل تبرعي، بل يقدمه مستثمرون أو أصحاب رؤوس أموال بشرط مقايضته لاحقاً بصفقات وعقود حكومية في وزارات حيوية مثل التجارة، والإعمار والإسكان، والنقل والمواصلات. هذا التخادم المصلحي أسقط الهوية الوطنية لصالح الهويات الفرعية (الطائفية والقومية)، وجعل الدستور والقانون في وادٍ، والمصالح الشخصية والحزبية في وادٍ آخر.
الدولة الموازية وسلطة الفصائل
يواجه العراق اليوم معضلة وجود “دولة فوق الدولة” تتمتع بسلطة عسكرية ومالية مستقلة، وترتبط بأجندات إقليمية «كالحرس الثوري الإيراني». هذه الفصائل تمتلك أركانها الخاصة لإدارة العمليات العسكرية والتسليح (مثل مصانع الصواريخ والطائرات المسيرة)، بل وتمتد أنشطتها الاستثمارية والمالية عبر شبكات وبنوك محلية ودولية تقدر بمليارات الدولارات – وفق تقارير استخباراتية ودولية.
تتحرك هذه القوى في مساحات تهريب النفط والمخدرات وتبييض الأموال، مما يجعلها تشكل انحرافاً كاملاً عن الدستور والنظام المالي للدولة. وأمام هذا الواقع، أصبح البرلمان نفسه جزءاً من الأزمة بدلاً من أن يكون جهة رقابية وتشريعية صائنة للقانون.
خيارات الإصلاح: هل تكفي الحلول من داخل النظام؟
إذا كانت المؤسسات القائمة متهمة بالفساد، فإن المراهنة على الإصلاح من الداخل تبدو خياراً شبه مستحيل. تبرز هنا الحاجة إلى «إجراءات استثنائية وقائية» لإعادة بناء العملية السياسية.
1. دور القضاء والدستور: يفترض بالمحكمة الاتحادية العليا أن تتمتع بالنزاهة المطلقة وتعمل على إلغاء الأعراف السياسية التي شوهت الدستور (مثل تقاسم الرئاسات والوزارات على أساس طائفي أو قومي)، إذ إن الدستور يتحدث عن “أغلبية سياسية” واضحة وإدارة مدنية للدولة، وليس عن محاصصة مكونات.
2. الملاحقة الأمنية وتفكيك الشبكات: المواجهات المسلحة الأخيرة تعكس خطورة الموقف. إن الحرب على الفساد اليوم هي أعقد وأصعب من الحرب على الإرهاب، لأن شبكات الفساد ممتدة ومتغلغلة داخل أجهزة الدولة. لا يمكن القضاء عليها ببيان واحد، بل عبر استراتيجية تدريجية ومستمرة تفكك هذه الشبكات محلياً وإقليمياً (مثل التنسيق الحالي لاسترداد المتهمين الهاربين من دول كالإمارات والأردن، والاعتماد على تقارير الأنظمة المالية الدولية لتتبع حركة الأموال).
الموقف القانوني من «التسويات المالية» مع الفاسدين
تطرح اليوم تساؤلات حول مدى مشروعية إجراء تسويات مع الفاسدين تقضي بإعفاءات مقابل استرداد الأموال المنهوبة. من الناحية القانونية:
ينص «قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969» بوضوح على أن الفساد المالي هو جريمة مخلة بالشرف، وفي بعض أبعادها الكبرى (التي تمس الاقتصاد الوطني السيادي) قد ترقى إلى مصاف الخيانة العظمى للوطن.
وتتدرج العقوبات بحسب حجم الجرم؛ وفي الممارسات القضائية المستقرة، فإن المتهم المدان بجريمة فساد مالي لا يكتفي بقضاء مدة محكوميته بالسجن فحسب، بل «لا يجوز إطلاق سراحه إلا بعد استرداد كامل الأموال العامة المنهوبة». وفي حال عجز عن السداد أو امتنع عنه، تحكم المحكمة ببقائه في السجن لضمان عدم ضياع حق الدولة العام.

