كتب : د/ فرات البسام
يرى الكثيرون أن النظام السياسي الإيراني وصل إلى الهاوية، أو أن تهديد الرئيس الأمريكي ترامب، الذي سينتهي يوم 6 أبريل، يعتبر بداية انتهاء الدولة الإيرانية فعليًا إذا ما ذهب لتنفيذ تهديده بضرب البنية التحتية، والتي سوف تستهدف حياة المواطن الإيراني. وهذا يعتبر انتحارًا سياسيًا للسلطة في إيران إذا ما لجأت لحل الأزمة أو الحرب من خلال التفاوض، وحدد الموعد غدًا صباحًا أو هذا اليوم بالتأكيد.
ولكن من وجهة نظر أخرى، يرى الكثيرون أن إيران قد فشلت دبلوماسيًا وسياسيًا. فقد غرقت إيران على مدى عقود في وحل الأوهام الروسية والصينية، مما جعل النظام يتوقع أنه يستطيع السيطرة على المنطقة أو احتلالها من خلال النفوذ، وبقوة القنابل النووية التي سوف تصنعها في إيران. ولم تفكر إيران أبدًا أنها لن تستطيع الوصول إلى ذلك دون موافقة الدولة الكبرى، الأهم والأقوى، أي الولايات المتحدة الأمريكية، القوة الرئيسية والفاعلة في العالم اقتصاديًا وعسكريًا.
لذلك، ذهبت إيران إلى حضن الصين وروسيا، رغم كل الابتزاز الذي كانت تدفعه، مقابل أن تمهد لها الصين وروسيا صناعة المفاعلات النووية ثم الوصول إلى امتلاك القنبلة النووية. ولكنها انصدمت بما حصل اليوم، ولم تعرف كيف تحاور دبلوماسيًا. حاولت ابتزاز أو استفزاز أمريكا كما في عهد أوباما وبايدن، لكن ترامب يختلف مع مجموعة الصقور الذين معه، وهذا ما وقعت فيه إيران، حيث أدى غضب الصقور في عهد ترامب إلى نتائج كارثية.
فإيران بسبب تخبطها السياسي والدبلوماسي وصلت إلى التالي:
دُمر معظم برنامجها النووي الذي صرفت عليه المليارات.
قتل معظم قيادات الصف الأول الذين يمثلون الدولة الإيرانية.
خسرت أذرعها في المنطقة بنسبة كبيرة جدًا ولم يبقَ إلا جيوب في بعض الدول.
خسرت جيرانها في المنطقة إلى الأبد.
انهيار اقتصادي غير مسبوق في تاريخ الدولة الإيرانية.
انهيار البنية التحتية العسكرية (البحرية، الجوية، القواعد العسكرية، والدفاع الجوي).
غضب الشعب الإيراني بعد ما وصل إليه حال الإيرانيين.
قبل وصول الحزب الجمهوري أو الرئيس ترامب، استطاعت إيران أن تبني ما تريد في العقود الماضية، خاصة في عهد الحزب الديمقراطي، وقد وصلت إلى أوج نشوتها في تلك الأيام، خاصة بعد تراخي الحزب الديمقراطي في البيت الأبيض لعقدين من الزمن. حقيقة ما سهل لإيران السيطرة على بعض المناطق هو مساندة واضحة من روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا.
لو كان هناك وعي سياسي لدى إيران، لاقرأت العالم بشكله الحقيقي، ولعرفت أن التغير في ميزان القوة الدولية قد يحصل في أي فترة زمنية. ولو نظرت إيران إلى التاريخ الحديث، لرأت سقوط الإمبراطوريات، مثل بريطانيا العظمى وانهيار الاتحاد السوفيتي، وكيف أن أوروبا وقفت صامتة أمام روسيا في حرب أوكرانيا، لو تدخلت الولايات المتحدة. وعرفت أن الصين تحلم بضم تايوان لكنها تخاف من رد فعل الأمريكيين.
أمن من يقول إن الإيرانيين لديهم حنكة أو صبر كبير؟ خطأ. حتى أصغر الدول لا تخطئ كما فعلت إيران. وحتى الورقة التي تعتبرها إيران ناجحة، بإغلاق مضيق هرمز، أدخلت إيران في نفق لن تخرج منه أبدًا. فلن يسكت حتى حلفاؤها على تدمير اقتصادهم وبلدانهم بعد قطع مصادر الطاقة. الدول تنظر لمصالح شعوبها أولاً، وليس لعلاقاتها مع أي دولة.
لقد كان من السهل جدًا على إيران أن توقف سعيها لصناعة أسلحة نووية، وتجلس مع أمريكا بجدية لوقف تخصيب اليورانيوم والتوقف عن صناعة الصواريخ بعيدة المدى من خلال المفاوضات الدبلوماسية. لكنها أثبتت إيران أنها فشلت سياسيًا ودبلوماسيًا. فهي تفكر أنها تحارب بولندا أو هولندا أو كوريا أو أي دولة أخرى، بينما كان من الممكن الاستعانة بدولة عظمى مثل أمريكا أو روسيا أو الصين.
كان أمام إيران أن تتعلم من أوكرانيا، التي أصبحت كرة تتدحرج بين أقدام روسيا وأمريكا، رغم قوة روسيا، لكن وقوف الولايات المتحدة مع أوكرانيا أوقف المد الروسي، وليس حلف الناتو. إيران بكل أوراقها ذهبت إلى الصين وفرنسا وروسيا وبريطانيا، ونست مصالح تلك الدول التي تلتقي في مناطق أخرى.
استطاع الرئيس الأمريكي ترامب مع دولته العميقة أن يضرب الجميع بحجر واحد، فأسقط الإسلام السياسي الذي احتضنته بريطانيا منذ أكثر من ألف عام بتوصيات من ضابط الاستخبارات البريطاني بارند لويس، بالاتفاق مع مستشار الأمن القومي الأمريكي برينجسكي سنة 1977، وخططوا لإضعاف وتقسيم المنطقة.
فإن ترامب أنهى الوجود البريطاني في المنطقة التي كانت تُستخدم كورقة للتلاعب، كما انتهى نفوذ فرنسا، عرابة الثورة سنة 1979، في هذه المنطقة. أما روسيا فذهبت لتحقيق مصالحها الشخصية بالانتصار على أوكرانيا وإعادة فتح تصدير النفط والغاز، وإعادة العلاقات مع الولايات المتحدة. أما إيران والناتو وأوكرانيا فذهبت إلى المجهول.
ولكن بالتأكيد، أثبت ترامب أن إذا قال فعل. وأنا أعتقد أنه سوف يضرب البنى التحتية، كما قضى على السلطة الإيرانية، فسوف يقضي على الدولة الإيرانية في ضرب البنى التحتية. إذا لم تتراجع إيران عن إغلاق مضيق هرمز والجلوس لطاولة التفاوض، فسوف تكون هذه النهاية. فلا يمكن للولايات المتحدة الأمريكية أن تتراجع كدولة كبرى، ولن يحدث ذلك.
على إيران أن تستفيق وتخرج من وحل سياساتها الخاطئة. فالكيان الصهيوني يتربص وينتظر الفرصة للإجهاز على المنطقة، وجلب الأساطيل الأمريكية والغربية للمنطقة بسبب فشل السياسة الإيرانية، فهي أعطت للعدو الصهيوني ورقة ضغط يلعب بها، وعداء إيران واعتداؤها على دول الخليج والعراق والأردن سيبقى شاخصًا مهما كانت التغيرات.


