كتب : صفاء مصطفى... العرب نيوز اللندنية
قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين وصمة عار جديدة تكشف وحشية الاحتلال”
في لحظة مفصلية من تاريخ الصراع الفلسطيني الاسرائيلي اقدم الكنيست الاسرائيلي على اقرار ما يعرف بقانون اعدام الاسرى الفلسطينيين في خطوة اثارت ردود فعل واسعة على المستويات القانونية الحقوقية السياسية وحتى الاخلاقية هذا القانون
لا يمكن اختزاله في مجرد اجراء قضائي جديد بل هو تعبير عن تحول عميق في طريقة تعامل دولة الاحتلال مع قضية الاسرى ومع المفاهيم الاساسية للعدالة والقانون الدولي ان ما حدث ليس فقط تعديل تشريعي عابر بل يمثل انعكاس سياسي وايديولوجي قائم على تفتيت مبادئ القانون الدولي وتحويل العقاب الى اداة سياسة مرفقة بالتمييز العنصري وما يستتبع ذلك من عواقب على مستقبل اي تسوية او مسار سياسي في المنطقة
القانون الدولي ومبادئ العدالة الجنائية الحديثة يؤكدان على مبدأ المسؤولية الفردية اي ان العقوبة تفرض فقط على الفرد الذي ارتكب الفعل نفسه بعد محاكمة عادلة تلتزم بادنى معايير حقوق الانسان لكن ما تم اقراره في الكنيست الاسرائيلي يمس هذا المبدأ بشكل مباشر اذ يجيز تطبيق عقوبة الاعدام على اسرى فلسطينيين فقط ضمن نظام محاكم عسكرية غير مستقلة وفي حالات جرائم تتم ادارتها خارج سياقات تحقيقات نزيهة وشفافة
هذه ليست مجرد قانوننة لعقوبة جديدة بل تحويل للعدالة الى اداة انتقائية تستخدم فقط ضد فئة بعينها الفلسطيني وتحرمه منه بمجرد انتمائه في المقابل الاسرائيلي الذي يرتكب جرائم قتل بحق فلسطينيين لا يواجه نفس العقوبة ما يعكس تمييز صريح في التطبيق والجزاء هذا يضع القانون في خانة التمييز العنصري الممنهج الذي يتناقض مع ابسط قواعد العدالة الجنائية ومعايير الامم المتحدة نفسها
عقوبة الاعدام بطبيعتها تمثل اقصى درجات الاعتداء على حق الحياة الحق الذي يعتبر حجر الزاوية في اي منظومة حقوقية ان تطبيقها في سياق النزاع المسلح لا يمكن ان يكون ممكن الا تحت شروط صارمة تلبي معايير العدالة الدولية وفي احكام تمنح فيها حقوق الدفاع الكامل الرقابة القضائية المستقلة والاجراءات القانونية العادلة لكن النظام القانوني الذي يحاكم الفلسطيني في المحاكم العسكرية الاسرائيلية يفتقد الى هذه الشروط الاساسية مما يجعل امكانية اعدام الاسرى الفلسطينيين انتهاكا فاضحا لحقوق الانسان وللاتفاقيات جنيف والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية وبعبارة اوضح عندما يحكم على شخص بالاعدام في محكمة لا توفر ضمانات عدالة حقيقية ليست تلك عدالة بل اعدام باسم القانون لا باسم العدالة
لا يمكن فصل هذا القانون عن السياق السياسي الذي يعيشه الصراع الفلسطيني الاسرائيلي في السنوات الاخيرة تصاعدت اصوات متشددة داخل الاوساط السياسية الاسرائيلية تدعو الى تصعيد السياسات الامنية والقضائية ضد الفلسطينيين تحت شعار ردع الارهاب لكن الحقيقة ان تنفيذ عقوبة الاعدام بهذا الشكل ليس ردع بقدر ما هو اداة قمع سياسية اساسية لارهاق الخصم وتطويعه عبر الخوف وهذا ليس قانونا بمعناه الحقيقي بل تجريم جماعي وقانوننة للتمييز اسرائيل بهذا القانون لا تستهدف فقط الافراد المتهمين بجرائم بل ترسخ انسدادا سياسيا وقانونيا وتضع نفسها في موقع يتجاهل كل المسارات القانونية الدولية التي يمكن ان تقود الى تسوية او مسار تفاوضي
من منظور فلسطيني
فإن اقرار هذا القانون لا يمس فقط الاسرى كمجموعة بل يرسخ حالة من الاقصاء القانوني والسياسي بحق الشعب الفلسطيني ككل اذا اصبحت العقوبة القصوى واردة بحكم القانون بدون ضمانات عادلة فهذا يعني ان القانون نفسه صار وسيلة قمع وليس وسيلة عدالة وهذا ينعكس مباشرة على الشعور العام داخل المجتمع الفلسطيني حيث يرى الكثيرون ان هذا التشريع لا يختلف جوهريا عن السياسات التي تقوض كل مفاهيم العدالة وتزيد من فجوة الانقسام بين الشعب المحتل ونظام الاحتلال
على الرغم من الادانات المتفرقة فان الردود الدولية لم ترتق بعد الى مستوى المساءلة الحقيقية التقارير الحقوقية وصيحات المنظمات الدولية تؤكد ان القانون يخرق قواعد القانون الدولي لكن دون تحرك فعال من مجلس الامن او مؤسسات دولية قادرة على فرض آليات رقابية او عقوبات واضحة وعلى الصعيد العربي نجد في كثير من الاحيان صمتا او تراجعا في المواقف الرسمية او تبني سياسات تطبيع مع الاحتلال لا تتماشى مع مستوى الانتهاكات القانونية والانسانية التي يرتكبها بحق الفلسطينيين بما في ذلك هذا القانون
ما يجري اليوم ليس مجرد صراع قضائي او تشريعي بل صراع قييمي وجودي بين نظام يحاول فرض ارادته بالقوة والتمييز وبين مبادئ العدالة والحقوق الانسانية التي لا يمكن تجاوزها او التفريط فيها
ان اقرار قانون اعدام الاسرى الفلسطينيين يضع العالم امام اختبار حقيقي اما ان يقف القانون الدولي في وجه الانتهاكات المسنونة واما ان يصبح القانون نفسه اداة تبرر التجاوزات وتشرعها وفي هذا الزمن يظل الحق والأمل في مواجهة الظلم هو ما يجعل الشعوب لا تنسى والتاريخ لا يرحم من اختار طريق التمييز والقهر


