كتب : المستشار الدكتور /العيسوى بدر
التحكيم قاطرة الاستثمار
لم يعد الاستثمار في عالم اليوم مجرد انتقال لرأس المال من دولة إلى أخرى، بل أصبح قرارًا اقتصاديًا وقانونيًا مركبًا، يقوم على دراسة العائد المتوقع من ناحية، ودرجة الأمان القانوني من ناحية أخرى. فالمستثمر، ولا سيما المستثمر الأجنبي، لا يبحث فقط عن سوق واعدة أو فرص ربحية، وإنما يبحث قبل ذلك عن بيئة تشريعية مستقرة، وضمانات قانونية واضحة، وآلية فعالة ومحايدة لتسوية ما قد ينشأ من منازعات. ومن هنا تبرز أهمية التحكيم بوصفه إحدى أهم أدوات جذب الاستثمار، حتى يصح القول إن التحكيم قاطرة الاستثمار.
والتحكيم، في جوهره، هو وسيلة قانونية بديلة لتسوية المنازعات، تقوم على اتفاق الأطراف على عرض النزاع القائم أو المحتمل على هيئة تحكيم، بدلًا من اللجوء إلى القضاء الوطني. وتزداد أهمية التحكيم في منازعات الاستثمار بسبب خصوصية هذه المنازعات، إذ غالبًا ما تجمع بين مستثمر أجنبي من ناحية، ودولة أو جهة عامة أو كيان تابع لها من ناحية أخرى. وقد تثور هذه المنازعات بشأن نزع الملكية، أو المصادرة، أو تغيير التشريعات، أو إنهاء العقود، أو الإخلال بالتوقعات المشروعة للمستثمر، أو المساس بالمعاملة العادلة والمنصفة.
ولهذا لا ينظر المستثمر إلى التحكيم باعتباره مجرد إجراء لاحق على النزاع، بل ينظر إليه باعتباره ضمانة سابقة على قرار الاستثمار ذاته. فوجود شرط تحكيم واضح، أو نص قانوني يسمح بالتحكيم، أو اتفاقية دولية تلتزم بها الدولة المضيفة، يبعث برسالة طمأنينة إلى المستثمر مفادها أن حقوقه لن تكون رهينة بطء الإجراءات أو تعقيداتها، وأنه يستطيع اللجوء إلى آلية محايدة ومتخصصة عند وقوع النزاع.
وفي هذا السياق، تظهر فطنة المشرع المصري حين استخدم في مرحلة مهمة من تطور التشريع الاستثماري مسمى قانون ضمانات وحوافز الاستثمار. فهذا المسمى لم يكن مجرد عنوان تشريعي، وإنما كان يحمل دلالة عميقة وخطابًا موجهًا إلى المستثمر، وخصوصًا الأجنبي، بأن الدولة لا تكتفي بفتح باب الاستثمار، بل تقدم له ضمانات تحمي رأس ماله، وحوافز تشجعه على الدخول إلى السوق. فالمستثمر بطبيعته يبحث عن أمرين متلازمين: ضمان يحميه من المخاطر، وحافز يجعل الاستثمار مجديًا ومنافسًا.
ومع صدور قانون الاستثمار المصري رقم 72 لسنة 2017، الذي حل محل قانون ضمانات وحوافز الاستثمار رقم 8 لسنة 1997، استمرت الفلسفة ذاتها من حيث إقرار الضمانات والحوافز، وتأكيد مبادئ المعاملة العادلة والمنصفة، وعدم التمييز، وحظر الإجراءات التعسفية، واحترام الدولة للعقود التي تبرمها. وهذه المبادئ لا تمثل مجرد نصوص قانونية، بل تعد رسائل ثقة موجهة إلى مجتمع الاستثمار، وتؤكد أن الدولة تدرك أن جذب رؤوس الأموال لا يقوم على الوعود وحدها، وإنما على ضمانات قابلة للتفعيل والتنفيذ.
وتكتمل هذه المنظومة من خلال الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالتحكيم، وعلى رأسها اتفاقية نيويورك لعام 1958 بشأن الاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية وتنفيذها، واتفاقية واشنطن لعام 1965 الخاصة بتسوية منازعات الاستثمار بين الدول ورعايا الدول الأخرى، المنشئة للمركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار “ICSID”. فهذه الاتفاقيات أصبحت تمثل في نظر المستثمر ضمانة قانونية دولية، لأنها تتيح له، متى توافرت شروطها، اللجوء إلى آليات مستقلة ومحايدة، وتمنحه فرصة تنفيذ الحكم الصادر لصالحه خارج حدود الدولة التي صدر فيها.
فاتفاقية نيويورك تعد حجر الزاوية في تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية، إذ تلزم الدول المتعاقدة، من حيث الأصل، بالاعتراف بتلك الأحكام وتنفيذها، مع حصر حالات الرفض في نطاق ضيق يتعلق أساسًا بصحة اتفاق التحكيم، أو احترام حق الدفاع، أو عدم تجاوز هيئة التحكيم لحدود ولايتها، أو عدم مخالفة النظام العام. أما اتفاقية واشنطن فقد أنشأت نظامًا متخصصًا لتسوية منازعات الاستثمار، يراعي الطبيعة الخاصة لهذه المنازعات التي يتداخل فيها البعد الاقتصادي بالسيادي، والعقدي بالدولي.
ومن ثم فإن انضمام الدولة إلى هذه الاتفاقيات، واحترامها لأحكامها، لا يمثل مجرد التزام دولي، بل يعد عنصرًا جوهريًا في تحسين مناخ الاستثمار. فالمستثمر حين يعلم أن الدولة المضيفة طرف في اتفاقيات دولية تنظم التحكيم وتنفيذ أحكامه، يشعر بأن استثماره لا يستند فقط إلى نصوص داخلية قابلة للتعديل، بل إلى منظومة قانونية دولية أكثر استقرارًا وفاعلية.
أما حكم التحكيم، فهو القرار النهائي الذي تصدره هيئة التحكيم في النزاع المعروض عليها، ويتمتع بطبيعة ملزمة للأطراف. فقبول الأطراف بالتحكيم يعني قبولهم المسبق بنتيجته، متى صدر الحكم في حدود اتفاق التحكيم ووفقًا للضمانات الأساسية للتقاضي العادل. ولا يجوز لمن خسر النزاع أن يتنصل من الحكم لمجرد عدم رضاه عنه، وإلا فقد التحكيم قيمته كوسيلة فعالة لحسم المنازعات.
وتتجلى قوة حكم التحكيم في قابليته للاعتراف والتنفيذ وفق الاتفاقيات الدولية والقوانين الوطنية المنظمة للتحكيم. وهذا ما يمنح التحكيم قيمته العملية؛ إذ لا تكفي العدالة النظرية ما لم تكن قابلة للتنفيذ. فالمستثمر لا يبحث فقط عن حق يقرره القانون، بل عن وسيلة يستطيع بها اقتضاء هذا الحق عند النزاع. ومن هنا يصبح حكم التحكيم ضمانة فعلية، لا مجرد وثيقة قانونية.
ولذلك فإن الدول النامية، وهي تسعى إلى جذب الاستثمارات الأجنبية، مطالبة بأن تنظر إلى التحكيم لا باعتباره تهديدًا لسيادتها، بل باعتباره أداة لبناء الثقة في بيئتها القانونية. فالسيادة الحديثة لا تعني الانغلاق أو الامتناع عن الالتزام، وإنما تعني القدرة على تنظيم العلاقة بين الدولة والمستثمر على أسس عادلة ومتوازنة. والتحكيم لا يمنع الدولة من ممارسة سلطتها التنظيمية، ولكنه يضع هذه السلطة في إطار قانوني يحول دون التعسف أو الإخلال بالتزامات الدولة التعاقدية والدولية.
ومن هنا يمكن القول إن نجاح الدول النامية في جذب الاستثمار يرتبط إلى حد كبير بقدرتها على تطوير تشريعاتها الوطنية في مجال الاستثمار والتحكيم، ومواءمتها مع الاتفاقيات والمواثيق الدولية، وتوفير قضاء وطني داعم للتحكيم لا معرقل له، وإعداد كوادر قانونية متخصصة قادرة على التعامل مع منازعات الاستثمار بكفاءة. كما يتعين على هذه الدول أن تعيد النظر في صياغة عقودها الاستثمارية، بحيث تأتي شروط التحكيم واضحة من حيث نطاقها، والقانون الواجب التطبيق، ومقر التحكيم، وقواعده الإجرائية، ولغته.
وفي الختام، فإن التحكيم لم يعد ترفًا قانونيًا أو وسيلة استثنائية، بل أصبح ضرورة اقتصادية وتشريعية للدول التي تريد أن تكون جاذبة للاستثمار. فالدولة التي تقدم ضمانات حقيقية، وتحترم اتفاق التحكيم، وتنفذ أحكامه، وتنسجم تشريعاتها مع المعايير الدولية، ترسل إلى المستثمر رسالة واضحة بأنها دولة قانون ومؤسسات. ومن ثم، يبقى التحكيم بحق قاطرة الاستثمار؛ لأنه يحرك الثقة، والثقة هي رأس المال الأول لكل تنمية حقيقية.
المستشار الدكتور /العيسوى بدر
محكم دولى وباحث في قانون التحكيم المصرى والقوانين المقارنة
عدد المشاهدات: 0

