كتب : بقلم نجوى الذوادي
من أجل الإنسان والوطن: حين تتحول الغربة إلى رسالة
الغربة ليست دائمًا ابتعادا عن الوطن، كما أن النجاح لا يُقاس فقط بالمكان الذي نصل
إليه، وإنما بما نفعله عندما نصل.
قد تغادر المرأة وطنها بحثًا عن فرصة، أو علم، أو عمل، أو حياة أفضل، لكنها تحمل
معها شيئًا لا تستطيع المسافات أن تنتزعه منها: هويتها، ذاكرتها، قيمها، وحبها لبلدها.
ومن هنا بدأت بالنسبة لي حكاية مختلفة مع الغربة؛ حكاية امرأة تونسية اختارت أن
تجعل من وجودها خارج وطنها فرصة لخدمة الإنسان، والدفاع عن الكرامة،
وإيصال صوت من لا يجد دائمًا من يسمعه.
في عملي في مجال شؤون اللاجئين وحقوق الإنسان، تعلمت أن وراء كل ملف إنسانًا،
ووراء كل قصة نزوح أملاً، وخوفًا، وأسرة، وحلمًا بالاستقرار. لذلك لم أعد أرى اللاجئ
كرقم أو كوثيقة، بل كإنسان قبل كل شيء، يستحق أن يُعامل بكرامة واحترام.
هذه التجربة علمتني الكثير عن الحياة، لكنها علمتني أيضًا شيئًا آخر: أن الإنسان يستطيع أن يخدم بلده حتى وهو بعيد عنه.
فالمرأة التونسية في المهجر ليست مجرد امرأة تعيش خارج تونس. هي جزء من
صورة تونس في الخارج، بما تحمله من أخلاق وثقافة وعلم وعمل وطموح. وكل
نجاح تحققه امرأة تونسية في بلد آخر يمكن أن يكون جسرًا جديدًا بين وطنها والعالم.
وأنا أؤمن بأن المرأة العربية قادرة على الوصول.
قادرة على أن تكون في مواقع المسؤولية، وقادرة على أن تنجح في عملها، وقادرة على
أن تصنع مشروعها، وقادرة على أن تدافع عن قضايا تؤمن بها، وقادرة في الوقت نفسه على أن تبقى قريبة من جذورها.
لم يكن الطريق دائمًا سهلًا. فالمرأة التي تختار أن تبني نفسها من الصفر تعرف جيدًا
معنى التعب، ومعنى أن تبدأ بخطوة صغيرة بينما لا يرى الآخرون سوى النتيجة النهائية.
لكنني تعلمت أن الأحلام الكبيرة لا تحتاج دائمًا إلى بداية كبيرة.
أحيانًا تبدأ بفكرة.
ثم تصبح الفكرة إيمانًا.
ثم يتحول الإيمان إلى عمل.
ومع الوقت، يصبح العمل أثرًا يراه الآخرون.
وهذا هو النجاح الحقيقي بالنسبة لي.
ليس النجاح أن يقول الناس إنك وصلت، وإنما أن تعرف أنت في داخلك أنك لم تتخل
عن نفسك، ولم تتخلَّ عن قيمك، وأنك استطعت أن تجعل من تجربتك شيئًا مفيدًا للآخرين.
ومن خلال عملي وتواصلي مع مختلف الجهات والمؤسسات والمجتمع
الدبلوماسي، ازداد لديّ الإيمان بأن الحوار والتعاون هما الطريق الأفضل لخدمة
الناس والجالية والوطن. نحن بحاجة إلى أن نقترب من بعضنا أكثر، وأن نستمع إلى
مشكلات أبناء وطننا في الخارج، وأن نبحث عن الحلول بدل الاكتفاء بالشكوى.
وأؤمن أيضًا بأن حب الوطن لا يعني أن نتحدث عنه فقط عندما نكون داخله.
حب الوطن يمكن أن يكون في الصورة التي نقدمها عنه في الخارج، في احترامنا للآخرين،
في نجاحنا، في أخلاقنا، وفي حرصنا على أن نكون سفراء حقيقيين لقيمه وثقافته.
تونس بالنسبة لي ليست مجرد مكان ولدت فيه.
تونس ذاكرة، ولهجة، ووجوه، وطفولة، وأيام جميلة، وأحلام لم تنتهِ.
ومهما ابتعد الإنسان، يبقى هناك جزء منه متعلقًا بالأرض التي خرج منها.
لكنني أعتقد أن أجمل ما يمكن أن تقدمه المرأة لوطنها هو ألا تنتظر دائمًا أن يأتيها الطريق، بل أن تصنع طريقها بنفسها.
أن تتعلم.
أن تعمل.
أن تحاول.
أن تفشل إن لزم الأمر، ثم تعود وتقف من جديد.
وأن تعرف أن عمرها، وظروفها، ومكان إقامتها، والصعوبات التي مرت بها، ليست أحكامًا نهائية على مستقبلها.
رسالتي إلى كل امرأة تونسية وعربية تعيش في المهجر هي: لا تجعلي الغربة تمحوكِ، اجعليها تقويكِ.
كوني فخورة بجذورك، لكن لا تخافي من أن تحلمي بعيدًا.
كوني قريبة من وطنك، لكن لا تضعي حدودًا لطموحك.
ولا تعتقدي أن الوصول إلى مكان جديد يعني أنك أصبحتِ غريبة عن المكان الذي جئتِ منه.
يمكن للمرأة أن تحمل وطنها معها أينما ذهبت.
ويمكنها أن تكون امرأة ناجحة في مجتمعها الجديد، وفي الوقت نفسه تظل صوتًا جميلًا لبلدها وثقافتها وقيمها.
لقد أعطتني الغربة فرصة لأرى العالم من زاوية مختلفة، وأتعرف إلى قصص إنسانية
كثيرة، وأفهم أن الاختلاف بين الشعوب لا يجب أن يكون سببًا للابتعاد، بل يمكن أن يكون فرصة للتعارف والتعاون.
وفي عالم يزداد فيه الانقسام، نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى أصوات تؤمن بالإنسان.
أصوات تقول إن الكرامة حق للجميع.
وأن المرأة ليست مجرد متلقية للفرص، بل قادرة على صناعتها.
وأن المهاجر أو اللاجئ ليس مشكلة، بل إنسان يمكن أن يكون يومًا جزءًا من الحل، إذا أُعطي فرصة عادلة للحياة.
ربما هذه هي الرسالة التي أريد أن أتركها من خلال تجربتي:
يمكن للإنسان أن يبدأ من الصفر، ويمكن للمرأة أن تصنع مكانها، ويمكن للغربة أن
تتحول من مسافة تفصلنا عن الوطن إلى جسر نصل من خلاله إلى العالم.
وأتمنى أن يكون نجاح كل امرأة تونسية وعربية في الخارج رسالة تقول إننا نستطيع
أن نصل، وأن ننجح، وأن نحافظ على إنسانيتنا وهويتنا في الوقت نفسه.
فالوطن لا يحتاج فقط إلى من يعيش فيه.
الوطن يحتاج أيضًا إلى من يحمله في قلبه، ويمثله بأفضل صورة، ويؤمن بأن الخير
الذي نصنعه للإنسان في أي مكان من العالم، هو في النهاية خير يعود إلى أوطاننا جميعًا.
من تونس إلى العالم… تبقى الرسالة واحدة:
أن ننجح دون أن ننسى من أين بدأنا، وأن نصل دون أن نترك وراءنا إنسانيتنا

