كتب : الإعلامية/ مايا إبراهيم
محمد المنصور… حين تتحول الذاكرة إلى فنٍّ خالد في «بس يا بحر»
مع إعلان إيداع الفيلم الكويتي الخالد «بس يا بحر» ضمن الأرشيف الوطني للأفلام في المملكة العربية السعودية، التابع لـهيئة الأفلام السعودية، تُفتح من جديد واحدة من أعمق الصفحات في تاريخ السينما الخليجية؛ صفحة لم تُكتب بالكاميرا وحدها، بل تشكّلت من ذاكرة البحر، وملح التجربة، وبدايات الحلم السينمائي في المنطقة.
هذا العمل الاستثنائي، من إخراج الرائد الراحل خالد الصديق، لم يكن مجرّد فيلم عن الغوص واللؤلؤ، بل رؤية سينمائية مبكرة حوّلت البحر إلى مرآة للإنسان، وإلى فضاءٍ يكشف قسوة الحياة قبل النفط، بلغة بصرية صادقة ومكثّفة ومليئة بالدهشة. وقد اجتمع فيه طاقم شكّل لاحقًا جزءًا أساسيًا من الذاكرة الفنية الخليجية، يتقدّمه الفنان القدير محمد المنصور، إلى جانب أسماء لامعة مثل حياة الفهد، وسعد الفرج، وعلي المفيدي، وغيرهم ممن أسّسوا معًا ملامح تجربة لا تُشبه سواها في تاريخ الشاشة الخليجية.
في قلب هذا الامتداد، لا يظهر محمد المنصور كمجرّد اسم في شارة عمل كلاسيكي، بل كحضور ينتمي إلى جيل لم يكن يسعى إلى النجومية بقدر ما كان يؤسّس للمعنى. كان الأداء عنده فعلًا جماليًا وإنسانيًا متوازنًا، قائمًا على هدوءٍ داخلي يرسّخ الشخصية في الذاكرة دون ضجيج، ويمنحها عمرًا أطول من لحظتها على الشاشة.
ومنذ تلك البدايات، رسّخ المنصور مكانته كأحد أعمدة الدراما الخليجية، فنانًا يجمع بين الرصانة والبساطة، وبين العمق والصدق، حتى بات اسمه علامة على أداء ناضج لا يحتاج إلى مبالغة كي يُقنع، ولا إلى استعراض كي يترك أثرًا.
ويأتي هذا التكريم للفيلم ضمن جهود هيئة الأفلام السعودية في حفظ الإرث السينمائي العربي وإعادة تقديمه بوصفه جزءًا من الذاكرة الثقافية المشتركة، حيث لا تُحفظ الأفلام كمواد أرشيفية فقط، بل كحياة كاملة لشعوبٍ وأزمنةٍ وأصواتٍ تشكّلت أمام عدسة الكاميرا.
أما «بس يا بحر»، فهو أكثر من فيلم؛ إنه أثر باقٍ لزمن تأسيسي في الخليج، وصورة أولى لسينما خرجت من قلب البحر لتكتب تاريخها الخاص. وفي هذا المشهد الممتد، يبقى محمد المنصور أحد الأسماء التي يمنحها الزمن قيمة إضافية، كأن حضوره لا يُروى فقط… بل يُصغي له التاريخ.
عدد المشاهدات: 0

