كتب : نور عمر حاج حسين
متلازمة المربع المفقود
لماذا نركز على النقص ونغفل الإنجازات؟
تخيل أن لديك موظفاً يؤدي مهامه بشكل ممتاز طوال العام، ينجز المشروعات في وقتها،
ويتلقى الإشادة من العملاء والزملاء، وتقييمه على مدار سنوات “ممتاز” وعلاقاته مع الزملاء
تتصف بالتوازن ونقل المعرفة، وعند ارتكابه لخطأ بسيط في تقرير أو نسي مهمة صغيرة، يتغير تركيز
المدير بالكامل وينصب على هذا الخطأ، متجاهلًا جميع الانجازات والنجاحات والاشادات السابقة، هنا
يعيش المدير ضمن “متلازمة المربع المفقود”، التي تركيز على النقاط السلبية أو الأمور الناقصة
مهما كانت قليلة التأثير، على حساب الصورة الأكبر المليئة بالإيجابيات.
متلازمة المربع المفقود:
” متلازمة المربع المفقود” هي مصطلح صاغه دينيس براجر ، العالم والمحلل السياسي الأمريكي،
لتفسير ميلنا البشري للتركيز على النقص، مما يعيق السعادة ويحد من تقديرنا للنعم المحيطة
بنا، ويقدم تفسيراً دقيقاً لهذا الميل النفسي، بأن هذه المتلازمة تجعلنا نركز بشكل مبالغ فيه على
الأشياء التي نفتقدها، مما يحد من سعادتنا وقدرتنا على التقدير الإيجابي، وهذا يرتبط بمبدأ
التركيز على نصف الكأس الفارغ بدلًا من نصفه الممتلئ.
وفي مقالتنا هذه نستطيع أن نقول بأن “متلازمة المربع المفقود” هي ميل نفسي يجعلنا
نركز على الأخطاء أو النواقص الصغيرة في الأداء أو الإنجازات، ونغفل الإيجابيات والنجاحات التي
تفوقها في بيئات العمل، وهذه الظاهرة تُضعف الروح المعنوية للموظفين وتؤثر على علاقاتهم
بزملائهم ومديريهم، وليس المشكلة في ملاحظة الخطأ فقط والتركيز عليه، بل في تضخيمه وجعله المحور الأساسي للتقييم.
لماذا تحدث متلازمة المربع المفقود في تقييم الأداء؟
1. التحيز السلبي: يميل العقل البشري إلى التركيز على الأخطاء أكثر من الإنجازات، حيث تُعتبر السلبيات “مهددات” لبيئة العمل.
2. التوقعات المرتفعة: المديرون الذين يضعون معايير مثالية قد يجدون صعوبة في تقبل الأخطاء، حتى لو كانت بسيطة، ويعتبرونها إخفاقاً كبيراً.
3. الضغط من بيئة العمل: تحت تأثير المنافسة والأهداف الطموحة، يمكن أن يتم تضخيم الأخطاء بسبب القلق بشأن تأثيرها على الأداء العام.
4. الخوف من الفشل: سواء من جانب الموظف أو المدير قد يجعلهم يركزون على الخطأ أكثر من التركيز على الحلول أو التعلم.
تأثيرات متلازمة المربع المفقود على الموظفين:
1. إضعاف الحافز: عندما يركز المدير على الأخطاء الصغيرة، قد يشعر الموظف بأن جهوده الكبيرة غير
مُقدرة، مما يؤدي إلى الاحباط وانخفاض الحافز للعمل.
2. فقدان الثقة بالنفس: التركيز على السلبيات يجعل الموظف يعتقد أنه غير كفء، حتى لو كان أداؤه الإجمالي ممتازاً.
3. التوتر في بيئة العمل: إذا أصبحت النواقص هي محور التقييم، قد تنشأ بيئة عمل مليئة بالضغط والتوتر بدلًا من التعاون والإبداع.
4. التأثير على الإنتاجية: الموظف الذي يشعر بأن أخطاءه تُضخم يفقد شغفه للإبداع أو المخاطرة،
مما يعيق تطوره المهني، وعلى انتاجية المؤسسة شكل عام.
كيفية التغلب على متلازمة المربع المفقود في تقييم الأداء؟
1. النظر إلى الصورة الكاملة: عند تقييم الأداء، من الضروري مراعاة النجاحات والإنجازات إلى جانب
الأخطاء. يمكن للمدير أن يسأل نفسه: “كيف كان الأداء الإجمالي؟ هل الخطأ عابر أم يعكس مشكلة مستمرة؟”
2. ممارسة التوازن في التغذية الراجعة: بدلاً من التركيز فقط على الأخطاء، يجب تقديم تغذية راجعة
متوازنة تتضمن الإشادة بالإيجابيات وتوضيح النقاط التي تحتاج إلى تحسين.
3. تعزيز ثقافة التعلم: التعامل مع الأخطاء كفرص للتعلم والنمو بدلاً من اعتبارها إخفاقات شخصية،
مع الإشادة بالجهود المستمرة، وتعزيز العلاقة بين المدير والموظف ورفع الروح المعنوية للفريق.
4. التدريب على التحفيز في بيئة العمل: تشجيع المديرين والموظفين على الاعتراف بجهود الآخرين والاحتفال بالإنجازات.
5. إدارة التوقعات: تحديد توقعات واقعية للأداء تساعد على تقليل التركيز على السلبيات الصغيرة.
متلازمة المربع المفقود ليست مجرد مشكلة إدراكية؛ إنها عادة سلبية يمكن أن تؤثر على بيئة
العمل والعلاقات الشخصية، والتغلب على هذه المتلازمة يتطلب الوعي بالصورة الكاملة، والتوازن
في التقييم، والاعتراف بأهمية الإنجازات إلى جانب معالجة الأخطاء والتعلم منها، وأن نتذكر أن الأداء
المثالي غير موجود، لكن الجهود المبذولة هي ما تستحق التركيز والاحتفاء بها، والنجاح الحقيقي
يكمن في كيفية إدارتنا للنواقص، لا في الهروب منها، فعندما نتوقف عن ملاحقة المربع المفقود،
نبدأ في الاستمتاع بجمال اللوحة بأكملها، ومن جانب أخر تتطلب وعياً أكبر بأن السعادة ليست في
الكمال، بل في قدرتنا على رؤية الصورة الكاملة وتقدير ما لدينا.

