كتب : د. معصومة العبد الرضا
حين يصبح الزمن مرآة للروح
في حياة كل إنسان فصل لا يكتبه بيده، بل يكتبه الزمن على مهل. فصلٌ لا يبدأ حين يحقق حلمًا، ولا حين يبلغ
مكانةً ظنها نهاية الطريق، وإنما يبدأ عندما يلتفت إلى الوراء، فيرى أن الطريق الذي ملأه بالإنجازات قد ترك في قلبه فراغات لم يكن يراها وهو يسير.
ما أغرب الإنسان!
يحسب أنه كلما اقترب من حلمه اقترب من اكتماله، ثم يكتشف بعد أعوام أن الأحلام، على جمالها، لا تملأ وحدها
فراغ الروح، وأن الإنجاز، مهما علا، لا يعوض دفء قلب افتقد الاهتمام، ولا حضور إنسان انتظر كلمة فلم تأته،
ولا علاقة ذبلت لأنها لم تجد من يسقيها بصدق اللقاء.
إن الطموح نعمة، لكنه قد يتحول إلى امتحان خفي؛ إذ يسرق من الإنسان أجمل ما فيه وهو لا يشعر. فكلما
اتسعت دائرة مسؤولياته، ضاقت مساحة حضوره مع من يحب، حتى يصبح حاضرًا في كل مكان، غائبًا عن أقرب الأماكن إليه.
وليس الغياب دائمًا غياب الجسد، بل قد يكون الجسد حاضرًا بينما الروح لا تزال عالقة في موعد، أو مشروع، أو
فكرة، أو حلم مؤجل. وأشد أنواع الغياب قسوة أن تجلس مع من تحب، بينما ذهنك يجلس في مكان آخر.
ومن عجيب النفس البشرية أنها ترى ولا تريد أن ترى.
تمر أمامها الإشارات واضحة كضوء النهار؛ فتور في المشاعر، تغير في الوجوه، كلمات فقدت دفئها، لقاءات
أصبحت تؤدى كما تؤدى الواجبات. لكنها تؤثر أن تكسو الحقيقة بثوب العذر، فتقول: إنها ضغوط الحياة… إنها الأيام… إنها مرحلة وستنتهي.
وليس في حسن الظن خطأ، وإنما الخطأ أن يتحول إلى ستار يحجب عنا الحقيقة، وأن يصبح العذر عادةً نهرب بها من مواجهة ما ينبغي أن نواجهه.
فالحقائق المؤجلة لا تموت، وإنما تنمو في الظل، حتى إذا واجهتنا يومًا، وجدناها أكبر مما كانت عليه حين تجاهلناها أول مرة.
ويمضي الزمن…
ولا شيء يكشف معدن الأيام مثل الزمن؛ فهو لا يغير الناس بقدر ما يكشفهم، ولا يبدل القلوب بقدر ما يزيح
عنها الأقنعة. وما كان خفيًا تحت ضجيج الانشغال، يظهر واضحًا حين تهدأ الخطى، ويخف صخب الركض.
هناك، يجلس الإنسان مع نفسه لأول مرة دون مواعيد تنتظره، ولا هواتف تقاطعه، ولا تصفيق يلهيه عن صوته الداخلي.
وهناك أيضًا تبدأ أصعب الحوارات… الحوار الذي لا يسمعه أحد.
يسأل نفسه: أكنت أعيش حياتي، أم كنت أؤجلها إلى أن أنتهي من تحقيق أهدافي؟ كم من علاقة ظننت أنها قوية
بما يكفي لتتحمل إهمالي؟ كم مرة اعتبرت الصمت رضا، وكان في حقيقته خيبة؟ كم بابًا أغلق بهدوء، بينما كنت أظن أنه لا يزال مفتوحًا؟
تلك الأسئلة لا تؤلم لأنها تكشف الأخطاء، بل لأنها تكشف الأعمار التي مضت دون أن تمنحنا فرصة لاستعادتها.
غير أن في المراجعة نعمة لا يدركها إلا الناضجون.
فهي لا تعلمنا كيف نلوم أنفسنا، بل كيف نفهمها. ولا تدعونا إلى الندم على ما فات، بل إلى الحكمة فيما بقي. فليس النضج أن نعيش بلا أخطاء، وإنما أن نصبح قادرين على قراءة أخطائنا قراءةً تنير الطريق بدل أن تطفئه.
ثم تتسع الرؤية…
فيقرأ الإنسان الآخرين كما يقرأ نفسه. يدرك أن بعض العلاقات كان يحملها وحده، وأن بعضها الآخر كان متينًا إلى درجة أنه صمد رغم طول الغياب. يكتشف أن الناس ليسوا سواء؛ فمنهم من إذا ابتعدت عنه ازداد قربًا في الدعاء، ومنهم من إذا غبت عنه محاك وجودك من ذاكرته، كأنك لم تكن يومًا جزءًا من تفاصيل حياته.
وهنا يتعلم درسًا بالغ القيمة: أن المحبة لا تُقاس بكثرة اللقاءات، وإنما بصدق الثبات، وأن الوفاء ليس وعدًا يقال، بل موقف يتكرر، وأن التقدير لا يظهر في لحظات الاحتفال، وإنما في الأيام العادية التي لا يلتفت إليها أحد.
عندئذ لا يعود ترتيب الأولويات ترفًا، بل يصبح ضرورة.
فيمنح حلمه حقه، لكن لا يسمح له أن يستبد بالحياة كلها. ويمنح العمل جهده، لكن لا يتركه يسرق عمره. ويمنح الناس خيره، لكن لا ينسى أن أقرب الناس إليه أولى بحسن حضوره قبل حسن عطائه.
ويتعلم أن الحياة ليست سباقًا نحو القمة، بل رحلة نحو الاتزان. وأن أجمل الوصول ليس أن تبلغ المكان الذي أردته، بل أن تصل إليه وروحك لم تُستنزف، وقلبك لم يتصلب، وعلاقاتك لم تتحول إلى أطلال يمر بها الحنين.
إن الإنسان لا يولد حكيمًا، وإنما تصنعه مراجعاته الصادقة. وكل مراجعة مؤلمة تحمل في داخلها ميلادًا جديدًا، لأن الألم الذي يقود إلى الوعي ليس خسارة، بل بداية خلاص.
وحين ينتهي هذا الحوار الطويل مع النفس، لا يعود الإنسان كما كان. يصبح أقل انبهارًا بالضجيج، وأكثر تقديرًا للسكينة. أقل حرصًا على أن يكون حاضرًا في كل مكان، وأكثر حرصًا على أن يكون حاضرًا بكل قلبه حيث يجب أن يكون.
وهكذا يكتشف، بعد رحلة العمر، أن الحياة لم تكن تطلب منه أن يختار بين النجاح والمحبة، ولا بين الطموح والاستقرار، وإنما كانت تطلب منه شيئًا أكثر بساطة وأشد صعوبة: أن يمنح كل نعمة مكانها، حتى لا يخسر نعمةً وهو يطارد أخرى.
فما قيمة قمةٍ يبلغها الإنسان إذا صعد إليها وحيدًا؟ وما قيمة إنجازٍ يصفق له الناس، بينما القلب لا يجد في آخر النهار من يطمئن إليه؟
إن أجمل الانتصارات ليست تلك التي يراها العالم، بل تلك التي تعيد إلى الإنسان نفسه، وتجعله قادرًا على أن ينظر في مرآة الزمن مطمئنًا، فلا يرى فيها كثرة ما أنجز، بل حسن ما عاش، وصدق من أحب، وعدل ما أعطى، وسكينة ما بقي في قلبه.
وهناك فقط… يدرك أن الحياة لم تكن سباقًا إلى النهاية، بل كانت رحلةً لتعلُّم فن الاتزان .

