كتب : د. معصومة العبد الرضا ـ ناقدة للخطاب الثقافي المعاصر، مستشارة وباحثة في السياسات والتنمية الأسرية.
آفاتٌ لا جنسَ لها..
ليس كلُّ رجلٍ مرنًا، ولا كلُّ امرأةٍ ليّنة؛ وليس كلُّ رجلٍ منصفًا، ولا كلُّ امرأةٍ منصفة.
في الرجال مَن يُبرّر زلّته، ويُسوّغ عثرته، ويُحسن صناعة الأعذار أكثر من إحسان الاعتذار؛ وفي النساء مَن تفعل ذلك، وتُجادل عن خطئها، كأن الاعتراف به هزيمة، والرجوع عنه انكسار.
في الرجال مَن يَعِد ولا يفي، ويقول ولا يفعل، ويُتقن فنَّ التبرير حين يحين وقت التغيير؛ وفي النساء مَن تعد ولا تفي، وتُكثر القول حين يقلّ الفعل.
في الرجال مَن يجرح ولا يشعر، ويهدم ولا يعتبر، ويطلب الاحتواء ولا يُحسن الاحتواء؛ وفي النساء مَن تُحسن المطالبة بالحقوق، وتغفل عمّا تفرضه الحقوق من واجبات.
في الرجال مَن يندفع بلا روية، ويغضب بلا حكمة، ويخاصم بلا حجة؛ وفي النساء مَن تسبق انفعالاتُها حكمتَها، وتعلو ردودُها على بصيرتها.
في الرجال مَن يستبدّه الغرور، وتُعميه الأنانية، ويُغريه الانتصار ولو خسر الودّ والاستقرار؛ وفي النساء مَن تستبدّ بهنّ الأهواء، وتغلب عليهنّ الرغبة في الغلبة على حكمة التفاهم.
في الرجال مَن يُقصّر ثم يتذرّع، ويُخطئ ثم يدافع، ويُفسد ثم يُحمّل غيره تبعات الفساد؛ وفي النساء مَن تُخطئ ثم تُنكر، وتُقصّر ثم تُبرّر، وتطلب من الآخر إصلاح ما لا تعترف هي بإفساده.
وفي الحياة الزوجية مَن يُحسن الدخول، ولا يُحسن البقاء؛ ويُجيد الاختيار، ولا يُجيد الاحتواء؛ ويطلب السكينة، ولا يسلك سبيلها؛ وينشد الاستقرار، ولا يتحمّل أعباءه.
وفي الأسرة مَن يرى الخلل ولا يُصلح، ويُدرك الحاجة ولا يُصرّح، ويشهد التحوّل ولا يتكيّف؛ ثم يتساءل: لِمَ اضطربت الموازين، وتباعدت القلوب، وتصدّعت الجدران؟
فما كلُّ خللٍ ذَكَرٌ، ولا كلُّ صلاحٍ أُنثى؛ وما كلُّ خطأٍ يُعزى إلى رجل، ولا كلُّ صوابٍ يُنسب إلى امرأة.
إنها آفاتٌ بشرية، لا هويّة لها؛ وسلوكيّاتٌ إنسانية، لا جنسَ يحصرها؛ يورثها الجهل، ويغذّيها الغرور، ويُطيل بقاءها التبرير، ولا يقطع دابرها إلا الوعي والمراجعة والتغيير.
فلا تسألوا: مَن أسوأ، الرجل أم المرأة؟ بل اسألوا: مَن يُراجع نفسه إذا أخطأ؟ ومَن يتحمّل تبعة فعله إذا قصّر؟ ومَن يملك شجاعة الاعتذار، وحكمة الاحتواء، وإرادة الإصلاح؟
فليس العيب أن يخطئ الإنسان، ولكن العيب أن يتّخذ من خطئه عادة، ومن تبريره حُجّة، ومن إنكاره وسيلةً للنجاة من المسؤولية.
فالرجولة ليست ادّعاءً، والأنوثة ليست إعفاءً؛ والنضج ليس صفةً تُورث، بل مسؤوليةٌ تُكتسب، ومهارةٌ تُصقل، ووعيٌ يُمتحن عند الاختلاف.
فالأسرة لا يهدمها اختلافُ طباعٍ فحسب، بل يهدمها غيابُ الوعي، ويُضعفها إنكارُ الخلل، ويُعطّل إصلاحَها إصرارُ كلّ طرفٍ على أن العيب في الطرف الآخر.
